مدخل إلى إشكالية الاعتقال الاحتياطي بالمغرب بين متطلبات التحقيق وضمانات الحرية
قراءة دستورية وقضائية في ضوء المحاكمة العادلة والمستجدات التشريعية
مقدمة
يُعدّ الاعتقال الاحتياطي من أخطر
التدابير الإجرائية في منظومة العدالة الجنائية، لما ينطوي عليه من مساس مباشر
بحرية الأفراد قبل صدور حكم قضائي نهائي. ورغم طابعه الاستثنائي في فلسفة التشريع،
فقد تحوّل في الممارسة العملية إلى إجراء يثير تساؤلات جوهرية حول مدى احترام
قرينة البراءة.
وفي ظل النقاش المتجدد حول مراجعة
قانون المسطرة الجنائية، تكتسي هذه الإشكالية راهنية خاصة، تفرض إعادة النظر في
التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق الأساسية.
أولًا: الإطار القانوني والشرعية الإجرائية
ينظم قانون المسطرة الجنائية
المغربي الاعتقال الاحتياطي باعتباره تدبيرًا لا يُلجأ إليه إلا عند تعذّر اتخاذ
تدابير أقل مساسًا بالحرية.
ويقتضي هذا الإطار أن يُفسَّر
الاعتقال تفسيرًا ضيقًا، انسجامًا مع الفصل 23 من الدستور، ومبادئ المحاكمة
العادلة المنصوص عليها في الفصلين 119 و120، والتي تكرّس قرينة البراءة كحجر زاوية
في العدالة الجنائية.
ثانيًا: الممارسة القضائية وإكراهات الواقع
تكشف الممارسة اليومية عن استمرار
ارتفاع معدلات الاعتقال الاحتياطي، ويرجع ذلك إلى عوامل عدة، من بينها الثقافة
الاحترازية السائدة وضعف اللجوء إلى التدابير البديلة.
ويؤدي هذا الوضع مباشرة إلى
اكتظاظ المؤسسات السجنية، بما يفرغ السياسة العقابية من بعدها الإصلاحي، كما
بيّنّا في تحليلنا السابق ل فلسفة التجريم والعقاب في القانون الجنائي المغربي، حيث
يطغى منطق الزجر على أفق الإدماج.
ثالثًا: دور النيابة العامة في الترشيد
تضطلع رئاسة النيابة العامة بدور
محوري في ترشيد الاعتقال الاحتياطي، من خلال دورياتها التي تدعو إلى تقليص ملتمسات
الإيداع في السجن، وتعزيز المتابعة في حالة سراح.
وللإحاطة بكيفية تنزيل هذه
التوجهات، يمكن الرجوع إلى دراستنا حول السياسة الجنائية ومنظومة العدالة فيالمغرب، التي تبرز سعي القضاء إلى الموازنة بين حماية المجتمع وصون كرامة الفرد.
رابعًا: المستجدات التشريعية وآفاق الإصلاح (القانون رقم 03.23)
جاء قانون المسطرة الجنائية، كما
تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 03.23، بمجموعة من المقتضيات الرامية إلى مأسسة
ترشيد الاعتقال الاحتياطي، ومن أبرزها:
1. بدائل الاعتقال التقنية
نصّ القانون على إحداث المراقبة
الإلكترونية (السوار الإلكتروني) كبديل يسمح بمتابعة المتهم تحت رقابة تقنية دون
حرمانه من حريته.
2. إلزامية التعليل الخاص
أصبح قرار الاعتقال ملزمًا بتعليل
واقعي وقانوني يبيّن عدم كفاية التدابير البديلة.
3. الرقمنة وتسريع المساطر
انسجامًا مع المخطط التوجيهي للتحول الرقمي، يراهن الإصلاح على المقاضاة عن بعد وتقليص آجال البت، تفاديًا
لتمديد الاعتقال غير المبرر.
خامسًا: قراءة نقدية في حدود التوازن
إن الانتقال من "ثقافة
الاعتقال" إلى "ثقافة الحرية" لا يتحقق بالنصوص وحدها، بل يستلزم
تحولًا في العقيدة القضائية.
فالاعتقال الاحتياطي يجب أن يظل
خيار الضرورة القصوى، مرتبطًا بتقييم دقيق للمخاطر، ومنسجمًا مع منظومة العقوبات البديلة، لضمان وحدة السياسة الجنائية من المتابعة إلى التنفيذ.
خاتمة وتوصيات
يظل الاعتقال الاحتياطي ميزانًا
تُقاس به جودة العدالة وديمقراطيتها. فكلما تقلّص نطاقه واتسع مجال البدائل، تعززت
الثقة في القضاء.
ويفتح الإصلاح المرتقب نافذة
حقيقية نحو عدالة حديثة وذكية، تحترم الحقوق وتوظف التكنولوجيا لخدمة الحرية. غير
أن التحدي الأساسي يظل رهينًا بإرادة التطبيق، وتطوير البنية المؤسساتية، وتكريس
ثقافة قضائية قائمة على ترجيح الحرية.
كما يظل نجاح هذا الإصلاح مرهونًا
بترسيخ وعي مؤسساتي يعتبر الحرية الأصل، والاعتقال استثناءً.
⚖️ وثائق مرجعية (PDF)
• 📄 المخطط التوجيهي للتحول الرقمي للعدالة
• 📄 قانون المسطرة الجنائية المعدَّل بالقانون 03.23
• 📄 دليل النيابة العامة حول ترشيد الاعتقال الاحتياطي
