أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

رقمنة العدالة في المغرب: نحو محكمة ذكية في أفق 2030

رقمنة العدالة في المغرب: نحو محكمة ذكية في أفق 2030

لم يعد التحول الرقمي في قطاع العدل مجرد خيار تقني يروم تحسين الأداء الإداري، بل أضحى ضرورة استراتيجية تفرضها متطلبات النجاعة القضائية وضمان حق المواطن في الولوج السريع والفعّال إلى العدالة. وفي هذا السياق، يشكّل ورش رقمنة العدالة بالمغرب إحدى الركائز الأساسية لبرنامج إصلاح منظومة العدالة، باعتباره مدخلًا لإعادة بناء الثقة في المؤسسة القضائية وتحديث أساليب اشتغالها في أفق 2030.

صورة غلاف مقال رقمنة العدالة في المغرب نحو محكمة ذكية في أفق 2030 ضمن سلسلة السياسة الجنائية – الوثيقة.

ولا يهدف هذا المقال إلى تلخيص المخطط التوجيهي للتحول الرقمي بقدر ما يروم قراءته قراءة تحليلية نقدية، من زاوية تنزيله العملي وحدود تحققه في الواقع القضائي، بين منطق التخطيط الطموح وإكراهات الممارسة اليومية.

1- المرجعية الاستراتيجية للتحول الرقمي القضائي

يستمد مشروع رقمنة العدالة شرعيته من التوجيهات الملكية السامية التي دعت، في أكثر من مناسبة، إلى تحديث الإدارة القضائية وتقريبها من المتقاضين، وربط الإصلاح بالنجاعة والشفافية. وقد تُرجمت هذه الرؤية في المخطط التوجيهي للتحول الرقمي لوزارةالعدل، الذي لا يُقدَّم بوصفه وثيقة نوايا، بل كأداة قيادة استراتيجية تتألف من 6 برامج كبرى و 22 مشروعاً إجرائياً، تروم إرساء منظومة عدالة رقمية مندمجة.

ويهدف هذا المخطط إلى تعميم المعلومة القانونية، واعتماد اللامادية في المساطر، وتوحيد الأنظمة المعلوماتية داخل المحاكم، بما يضمن صيانة حقوق المتقاضين وتحقيق شكل جديد من الأمن القضائي الرقمي.

غير أن هذا الطموح الاستراتيجي يطرح سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاوزه:
هل تسير وتيرة الرقمنة بنفس سرعة تأهيل الموارد البشرية وتغيير ثقافة العمل القضائي؟
أم أن التحول الرقمي يظل، في بعض تجلياته، سابقاً للإطار البشري والتنظيمي الحاضن له؟

2- تجليات الرقمنة القضائية: من التخطيط الى التنزيل

لا تتوقف رقمنة العدالة عند حدود الواجهة التقنية، بل تمتد لتشمل أربعة مجالات كبرى حددها المخطط التوجيهي: تيسير الولوج، تبسيط المساطر، التقاضي عن بعد، ونشر المعلومة القانونية والقضائية.  ويتجلى هذا التوجه في مجموعة من المشاريع البنيوية، من أبرزها:

المخطط التوجيهي للتحول الرقمي للعدالة في المغرب

- منظومة المحكمة الرقمية (اللامادية): الانتقال التدريجي نحو التدبير اللامادي للملف القضائي، واعتماد الرقم الوطني الإلكتروني للملف القضائي، إلى جانب إحداث المكاتب الافتراضية للقضاة وكتاب الضبط، بما يقطع مع منطق التدبير الورقي التقليدي.

- بوابات الخدمات المندمجة: وعلى رأسها بوابة "محاكم" كفضاء رقمي موحد لتتبع القضايا والاطلاع على الأحكام، انسجاماً مع مشروع "البوابة المندمجة للولوج إلى العدالة".

- الخدمات السريعة: ويُعد السجل العدلي الإلكتروني نموذجاً ناجحاً لتبسيط المساطر، مكّن المواطنين من الحصول على وثيقة أساسية عن بُعد، وقلّص من الكلفة الزمنية والإدارية.

- التقاضي عن بُعد: مشروع بنيوي يروم تقعيد الجلسات الافتراضية والتبادل الإلكتروني للوثائق، شريطة احترام حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، وعدم اختزال هذا النمط في حل استثنائي مرتبط بالظرفية.

ورغم هذه المكتسبات، لا تزال الرقمنة تصطدم بتفاوت جهوزية المحاكم، وبالفجوة الرقمية لدى فئات من المتقاضين، وهو ما يستدعي مقاربة تراعي مبدأ المساواة الفعلية في الولوج إلى العدالة، لا الاكتفاء بالمساواة التقنية.

3- الرقمنة وتنفيذ العقوبات الحديثة: من النص إلى النجاعة

تتجلى الأهمية العملية للتحول الرقمي بشكل أوضح في مجال تنفيذ العقوبات البديلة، كما أقرّها القانون رقم 43.22. فنجاح آليات من قبيل المراقبة الإلكترونية (السوار الإلكتروني) يظل رهيناً بوجود نظام معلوماتي موثوق، يتيح التتبع الآني للمحكوم عليه، ويضمن احترام النطاق الجغرافي والالتزامات القانونية المفروضة.

وفي هذا السياق، يشدد الدليل الاسترشادي للنيابة العامة  (2025)على أن التكنولوجيا ليست مجرد أداة تقنية محايدة، بل تشكل صمام أمان لتنفيذ جزاء جنائي حديث، يوازن بين الردع، وإعادة الإدماج، وحماية المجتمع. (وللتوسع في فهم المقتضيات التفصيلية لهذا الدليل، يمكنكم مراجعة دراستنا السابقة حول: العقوبات البديلة في المغرب: قراءة في دليل النيابة العامة 2025). غير أن هذا الرهان يظل معلقاً على قدرة المنظومة الرقمية على الاشتغال بتنسيق محكم بين القضاء، والنيابة العامة، ومصالح تنفيذ العقوبات.

4- الرقمنة وحكامة القرار القضائي

رغم وضوح الهيكلة البرامجية للمخطط التوجيهي، يظل سؤال الحكامة الرقمية مطروحاً بإلحاح: من يقود فعلياً هذا التحول؟ وكيف يتم التنسيق بين وزارة العدل، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة؟

إن غياب مؤشرات منشورة للتتبع والتقييم، وندرة المعطيات العمومية حول نسب الإنجاز والأثر الفعلي للرقمنة، قد يُفرغ التحول الرقمي من بعده الإصلاحي، ويحوّله إلى إنجازات تقنية متفرقة بدل سياسة عمومية مندمجة، خاضعة للمساءلة والتقييم.

5- الأمن القانوني وحماية المعطيات: حدود الرقمنة

لا يمكن الحديث عن عدالة رقمية دون استحضار إشكاليات الأمن القانوني وحماية المعطيات الشخصية. فالتوسع في الأنظمة المعلوماتية يضاعف حجم المعطيات الحساسة المتداولة داخل المنظومة القضائية، مما يبرز أهمية الالتزام الصارم بمقتضيات القانون 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.

والتحدي الحقيقي هنا لا يكمن في رقمنة المساطر فقط، بل في ضمان أن يتم هذا التحول دون المساس بسرية الملفات القضائية وخصوصية المتقاضين، حتى لا تتحول الرقمنة من أداة لتعزيز الثقة إلى مصدر قلق مشروع.

خاتمة: المحكمة الذكية كأفق لإصلاح العدالة

إن رقمنة العدالة ليست مجرد برمجيات وأجهزة، بل هي تحول ثقافي ومؤسساتي يتطلب انخراط جميع المتدخلين: قضاة، ومحامين، وكتاب ضبط، وإدارات مساندة. وفي أفق 2030، لا يُقاس نجاح الإصلاح بعدد المنصات الرقمية، بل بمدى قدرتها على إرساء محكمة ذكية تختفي فيها الأوراق، تُختصر فيها الآجال، وتُصان فيها الحقوق.

غير أن هذا الأفق يظل رهيناً بقدرة المنظومة على مقاومة منطق الرقمنة الشكلية، التي تُراكم المشاريع التقنية دون أن تُغيّر فعلياً زمن العدالة أو منطق تدبيرها. فالمحكمة الذكية ليست تلك التي تعتمد التكنولوجيا فقط، بل التي توظفها في خدمة عدالة سريعة، شفافة، ومنصفة، تجعل من الإصلاح واقعاً ملموساً لا مجرد شعار.

⚖️ مراجع رسمية (PDF)

للاطلاع على التفاصيل الكاملة للمخطط التوجيهي للتحول الرقمي لمنظومة العدالة (يونيو 2020)، يمكنكم تحميل الوثيقة الرسمية:

المخطط التوجيهي للتحول الرقمي للعدالة في المغرب

يندرج هذا المقال ضمن سلسلة "الوثيقة" حول السياسة الجنائية في المغرب.

تعليقات