مستجدات القانون الجنائي المغربي: موازنة بين العقوبات البديلة وتحديات محاربة الفساد
في خطوة بارزة ضمن مسلسل إصلاح العدالة الجنائية بالمغرب، دخلت في
السنوات الأخيرة عدة مستجدات تشكّل لبنة أساسية في تحديث السياسة الجنائية، وتطرح
في الوقت نفسه أسئلة عميقة حول التوازن بين المرونة الإصلاحية والصرامة الردعية،
خصوصاً في مواجهة الجرائم ذات البعد الاقتصادي والمالي التي تمسّ الثقة العامة في
مؤسسات الدولة.
لم يعد النقاش اليوم محصوراً فيما إذا كان يجب معاقبة الجريمة، بل في كيف
يجب أن تكون هذه المعاقبة، وبأي منطق تُمارَس سلطة الدولة في الزجر: هل بمنطق
الحبس الآلي، أم بمنطق المسؤولية والإصلاح، دون التفريط في الردع حيث تقتضي
المصلحة العامة ذلك؟
أولاً - إصلاحات ملموسة في نظام العقوبات الجنائية
من بين أبرز هذه المستجدات القانونية يبرز القانون رقم 43.2
المتعلق بالعقوبات البديلة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم
1.24.32 في يوليوز 2024 والمنشور في الجريدة الرسمية في غشت من السنة نفسها،
والذي دخل مرحلة التنزيل العملي داخل المحاكم خلال سنتي 2025 و2026.
هذا القانون لا يضيف فقط أدوات جديدة إلى ترسانة العقوبة، بل يعيد تعريف وظيفتها
من الأساس.
فالعقوبات البديلة، كما يحددها هذا النص، تُطبَّق بديلاً عن العقوبات السالبة للحرية في الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها خمس سنوات حبسًا نافذًا، وتشمل المراقبة
الإلكترونية عبر السوار، والعمل لفائدة المصلحة العامة، والغرامة اليومية بدل
الحبس. والغاية المعلنة من هذا التوجه هي تخفيف الاكتظاظ السجني، وتقليص الآثار
الاجتماعية والاقتصادية للحبس القصير، وربط العقوبة بمسار فعلي لإعادة الإدماج بدل
الاكتفاء بعزل المحكوم عليه داخل مؤسسة سجنية.
غير أن هذا التحول لم يكن بلا حدود، إذ حرص المشرّع على استثناء
الجرائم التي تمسّ النظام العام الاقتصادي والثقة العامة، من قبيل الرشوة
والاختلاس واستغلال النفوذ وغسل الأموال، إلى جانب الجرائم المرتبطة بأمن الدولة.
وهذا الاستثناء ليس تقنياً، بل يعكس تصوراً سياسياً وقانونياً مفاده أن الجرائم
التي تضرب المال العام أو تشوّه حياد الإدارة لا يمكن أن تُعامل بمنطق المرونة
ذاته الذي يُعتمد في الجنح ذات الخلفية الاجتماعية.
ثانياً - منطق العقوبات البديلة بين الإصلاح والصرامة
من منظور قانوني وسياسي، يمثّل إدخال العقوبات البديلة اعترافاً ضمنياً
بحدود الردع التقليدي القائم على السجن، خاصة حين يتعلق الأمر بالجنح البسيطة التي
كثيراً ما تُفضي إلى إعادة إنتاج الجريمة بدل الحد منها. غير أن التجربة المقارنة،
كما الممارسة الوطنية الناشئة، تُظهر أن قيمة هذه البدائل لا تكمن في وجودها، بل
في طريقة تطبيقها.
فالمحاكم المغربية بدأت بالفعل في إصدار أحكام تُحوِّل عقوبات حبسية
إلى بدائل، لكن هذه المرحلة ما تزال مرحلة اختبار، تُقاس بمدى احترام القضاة لمبدأ
التناسب، وبمدى تسبيبهم لقرارات الاستبدال، وبقدرة منظومة التنفيذ على مراقبة جدية
هذه العقوبات. وهنا بالذات يبرز التخوف من أن تتحول السلطة التقديرية إلى باب
للاختلال، إذا لم تُحَط بضوابط موضوعية ومراقبة استئنافية حقيقية تضمن وحدة
المعايير وعدالة التطبيق.
ثالثاً - تحديات محاربة الفساد في ظل هذه الإصلاحات
في مقابل هذا التوجه الإصلاحي في مجال العقوبة، يبقى السياق القانوني
لمحاربة الفساد مجالاً بالغ الحساسية. فالمغرب، رغم انخراطه في اتفاقيات دولية
لمكافحة الفساد واعتماده استراتيجيات وطنية في هذا المجال، ما يزال يواجه تساؤلات
حقوقية وسياسية حول مدى فعالية الترسانة القانونية في فرض الردع وحماية المال
العام.
وقد غذّى هذا الجدل صدور القانون رقم 03.23 المعدِّل
لقانون المسطرة الجنائية 22.01، الذي أعاد تنظيم
كيفية تحريك الدعوى العمومية وضبط سلطات البحث والمتابعة. فبينما يرمي هذا التعديل
إلى عقلنة المتابعات وحماية الأشخاص من الشكايات الكيدية، عبّرت فئات من المجتمع
المدني عن تخوفها من أن يؤدي تقييد قنوات التبليغ المباشر إلى إضعاف الدور الرقابي
للجمعيات والنشطاء في كشف ملفات الفساد.
هذا التوتر يعكس معادلة دقيقة: كيف نحمي المسؤولين من الابتزاز القضائي
دون أن نحمي الفساد من المساءلة؟ وكيف نُحافظ على هيبة القضاء دون أن نُفرغ
الرقابة المجتمعية من مضمونها؟.
رابعاً - قراءة موضوعية وتطلعات مستقبلية
لا يمكن عزل النقاش حول العقوبات البديلة أو مسطرة 03.23 عن مشروع أشمل
لتحديث العدالة الجنائية بالمغرب، يشمل ترشيد الاعتقال الاحتياطي، وتعزيز ضمانات
المحاكمة العادلة، وإحداث مرصد وطني للإجرام، واعتماد الرقمنة في تتبع القضايا. في
هذا الإطار، يصبح التحدي الحقيقي هو بناء سياسة جنائية قادرة على التمييز بين ما
يستحق الإصلاح وما يستوجب الردع، دون ارتباك أو ازدواجية.
فالمجتمع يقبل بسياسة جنائية رحيمة حين تتعلق بأخطاء قابلة للإصلاح، لكنه
يطالب بصرامة لا هوادة فيها حين يتعلق الأمر بجرائم تهدد الثقة في الدولة
والاقتصاد.
نحو سياسة جنائية متوازنة بين الإصلاح والردع
إن إدماج العقوبات البديلة في المنظومة الجنائية المغربية يشكّل
انتقالاً نوعياً من منطق العقوبة بوصفها انتقاماً، إلى العقوبة بوصفها أداة لإعادة
الإدماج. غير أن هذا التحول، مهما كانت نبل مقاصده، لا يمكن أن ينجح إلا إذا أُدرج
ضمن رؤية واضحة تميّز بين الخطأ الاجتماعي والجريمة التي تمسّ المصلحة العامة.
فالدولة التي تتساهل مع جنحة بسيطة لكنها تتشدّد مع نهب المال العام،
تبني شرعية أخلاقية لقانونها. أما الدولة التي تُفرغ الردع من مضمونه في الجرائم
المالية باسم "البدائل"، فإنها تُقوّض ثقة المواطن في العدالة.
توصيات عملية لسياسة جنائية متوازنة
ينبغي أن يُحصَّن مجال الفساد بنصوص صريحة لا تحتمل التأويل، تُخرج
جرائم الرشوة والاختلاس وتبديد المال العام واستغلال النفوذ وغسل الأموال من أي
منطق للتخفيف غير المبرر، لأنها لا تضر أفراداً فقط، بل تضرب ثقة المجتمع في
الدولة. وفي الوقت نفسه، يجب أن تُؤطر سلطة القاضي في العقوبات البديلة بمعايير
موضوعية وتسبيب صارم ومراقبة استئنافية فعالة، حتى لا تتحول هذه البدائل إلى مجال
للزبونية أو التفاوت الطبقي في العقاب.
كما ينبغي ربط هذه العقوبات فعلياً بالإصلاح، عبر أعمال للمنفعة العامة
قابلة للمراقبة، ومراقبة إلكترونية تستعمل حيث يوجد خطر العودة إلى الجريمة،
وغرامات يومية تُحتسب وفق الدخل الحقيقي. وفي موازاة ذلك، تظل محاربة الفساد رهينة
بتقوية الشرطة القضائية المالية، وتخصص القضاء في الجرائم الاقتصادية، وحماية
المبلغين، وضمان الشفافية في مآل الملفات.
خاتمة
يبقى التحدي الأساسي في أن تتحول هذه الإصلاحات من نصوص متقدمة إلى
ممارسة عادلة وشفافة. فالمواطن المغربي يمكن أن يتفهم المرونة حين تكون في خدمة
الإصلاح، لكنه لن يقبل بها إذا مست جوهر العدالة في قضايا الفساد. ذلك أن التوازن
بين المرونة والصرامة ليس خياراً سياسياً فقط، بل هو شرط أساسي لبناء دولة الحق
والقانون.
⚖️ مراجع قانونية رسمية (PDF)
📄 تحميل مجموعة القانون الجنائي المحيّنة – وفق آخر التعديلات (القانون 43.22).
📄 تحميل قانون المسطرة الجنائية المحيّن – وفق القانون 03.23
.png)