أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

السياسة الجنائية في المغرب: قراءة دستورية وقضائية

السياسة الجنائية ومنظومة العدالة في المغرب

قراءة دستورية وقضائية بين التأصيل القانوني ورهانات الممارسة

مقدمة

تُعدّ العدالة الجنائية إحدى الركائز الجوهرية للدولة الحديثة، لارتباطها الوثيق بحماية النظام العام، وصيانة الحقوق والحريات، وتحقيق الأمن القانوني. ولا يستقيم فهم هذه العدالة إلا من خلال الإحاطة بثلاثة مفاهيم متكاملة ومترابطةالسياسة الجنائية باعتبارها الإطار التوجيهي، والقانون الجنائي كأداة موضوعية للتجريم والعقاب، وقانون المسطرة الجنائية كآلية إجرائية لتفعيل العدالة.

السياسة الجنائية في المغرب: قراءة دستورية وقضائية

وفي السياق المغربي، تكتسي هذه المنظومة أهمية خاصة في ضوء التحولات الدستورية والمؤسساتية التي أفرزها دستور 2011، وما رافقها من إعادة ترتيب لوظائف القضاء ومكانته داخل الدولة.

أولًا: الإطار المفاهيمي والتكامل الوظيفي للمنظومة الجنائية

تُجسّد السياسة الجنائية مجموع التوجهات والاختيارات التي تعتمدها الدولة في مجال التجريم والعقاب والوقاية من الجريمة. وهي لا تختزل في النصوص الزجرية، بل تعكس رؤية شمولية لفلسفة الدولة في التعامل مع الظاهرة الإجرامية، من حيث التوازن بين الزجر والإصلاح، والردع والإدماج.

ويتجلى التكامل الوظيفي للمنظومة الجنائية في ثلاثة مستويات مترابطة:

1- المستوى التوجيهي: السياسة الجنائية

يحدّد الأهداف الكبرى للدولة في مجال العدالة الجنائية، ويؤطر اختيارات المشرّع والسلطات المكلفة بالتنفيذ.

2- المستوى الموضوعي: القانون الجنائي

يترجم هذه الرؤية من خلال تحديد الأفعال المجرّمة، وتصنيف الجرائم، وتقرير العقوبات والتدابير الوقائية، بما يعكس مدى احترام مبدأ الشرعية الجنائية وتناسب العقوبة مع خطورة الفعل.

3- المستوى الإجرائي: قانون المسطرة الجنائية

ينظم آليات تحريك الدعوى العمومية وإجراءات البحث والتحقيق والمحاكمة، وهو المجال الأكثر حساسية لارتباطه المباشر بالحرية الفردية وقرينة البراءة.

ثانيًا: السياسة الجنائية في ضوء الدستور المغربي لسنة 2011

شكّل دستور 2011 محطة مفصلية في تطور العدالة الجنائية بالمغرب، إذ نقل السياسة الجنائية من مجال تشريعي صرف إلى سياسة عمومية ذات سند دستوري. وقد كرس الدستور مجموعة من المبادئ الحاكمة، من أبرزها:

- مبدأ الشرعية الجنائية (الفصل 23):

"لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني"، بما يحدّ من التعسف في التجريم والعقاب.

- قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة (الفصلان 23 و120).

- استقلال السلطة القضائية (الفصل 107)، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبذلك، أصبح المشرّع الجنائي والممارس القضائي معًا مُلزَمين بملاءمة النصوص والممارسات مع المرجعية الدستورية.

ثالثا: التحول المؤسساتي (رئاسة النيابة العامة)

ويكتمل تحليل السياسة الجنائية في المغرب بالإشارة إلى الدور المحوري الذي تضطلع به رئاسة النيابة العامة باعتبارها الجهة المكلفة بتنفيذ السياسة الجنائية، خاصة بعد استقلالها التام عن السلطة التنفيذية منذ سنة 2017، عقب فصلها عن وزير العدل.

وقد أسهم هذا التحول المؤسساتي في إعادة تشكيل موقع النيابة العامة داخل منظومة العدالة، بوصفها فاعلًا قضائيًا مستقلًا يُمارس سلطته في تحريك الدعوى العمومية وتنفيذ السياسة الجنائية تحت مراقبة القانون والاجتهاد القضائي، لا تحت توجيه السلطة التنفيذية، وهو ما ينعكس مباشرة على توازن العلاقة بين متطلبات الأمن وضمانات الحقوق والحريات.

رابعا: تحديات النص الجنائي ورهانات المسطرة الجنائية في الممارسة المغربية

رغم المكتسبات الدستورية، تكشف الممارسة العملية عن فجوة بين النص والواقع، تتجلى أساسًا في مستويين:

1- هيمنة العقوبات السالبة للحرية

لا تزال العقوبات الحبسية تشكل العمود الفقري للسياسة العقابية، مع بطء في تفعيل العقوبات البديلة واتساع دائرة التجريم في بعض المجالات، ما يثير تساؤلات حول مواكبة القانون الجنائي للتحولات الاجتماعية والمعايير الحقوقية الحديثة.

2- إشكالية الاعتقال الاحتياطي

يبرز الاعتقال الاحتياطي كأحد أبرز التحديات العملية؛ فبالرغم من طابعه الاستثنائي قانونًا، فإن التوسع في اللجوء إليه يضع السياسة الجنائية أمام معادلة دقيقة بين متطلبات الأمن وحماية الحرية الفردية، ويطرح إشكال احترام مبدأي الضرورة والتناسب.

خامسا: القضاء المغربي كفاعل في توجيه السياسة الجنائية

لم يعد القضاء المغربي مجرد منفّذ آلي للنصوص، بل أضحى فاعلًا مؤثرًا في توجيه السياسة الجنائية من خلال اجتهاداته، وعلى رأسها اجتهادات محكمة النقض، التي كرّست:

- التفسير الضيق للنص الجنائي حمايةً لمبدأ الشرعية.

- الرقابة الصارمة على مشروعية إجراءات البحث والتحقيق.

- التأكيد على أن الاعتقال الاحتياطي إجراء استثنائي لا يُلجأ إليه إلا عند تعذر أي تدبير آخر.

ويساهم هذا التوجه القضائي في تعزيز الضمانات العملية للمحاكمة العادلة، وإن ظلّ رهينًا بحسن التفعيل على مستوى الممارسة اليومية.

خاتمة

إن العدالة الجنائية الناجعة لا تُقاس بصرامة النصوص أو شدة العقوبات، بل بمدى انسجام السياسة الجنائية مع مبادئ دولة الحق والقانون، وبقدرة القانون الجنائي على تحقيق الردع العادل، وبفعالية قانون المسطرة الجنائية في حماية الحرية الفردية.

وتبقى السياسة الجنائية في المغرب مدعوة إلى مراجعة شاملة ومتوازنة، تُعيد الاعتبار للبعد الإنساني في العدالة، وتُعزّز الثقة في القضاء، وتحقق التوازن المنشود بين الأمن والحرية.

⚖️ وثائق مرجعية للتحميل (PDF)

استكمالًا للقراءة التحليلية لموضوع السياسة الجنائية ومنظومة العدالة بالمغرب، نضع رهن إشارة القارئ مجموعة من الوثائق القانونية الرسمية المؤطرة للتجريم، والمتابعة، وتنزيل السياسة الجنائية على مستوى الممارسة القضائية، وذلك لأغراض التوثيق والبحث والرجوع إلى النصوص الأصلية.

      ·       📄 السياسة الجنائية في مكافحة جرائم الفساد(PDF) وثيقة مؤسساتية مرجعية.
      ·       📄 القانون الجنائي (PDF)الإطار الموضوعي للتجريم والعقاب. 

·       📄 قانون المسطرة الجنائية  (PDF)الإطار الموضوعي للتجريم والعقاب.

اقرأ أيضا:

  1.     رقمنة العدالة في المغرب: نحو محكمة ذكية في أفق 2030
  2.      العقوبات البديلة في المغرب: قراءة في دليل النيابة العامة لسنة 2025
  3.      مستجدات القانون الجنائي المغربي: موازنة بين العقوبات البديلة وتحديات محاربة الفساد

يندرج هذا المقال ضمن سلسلة الوثيقة حول السياسة الجنائية بالمغرب.

تعليقات