تُعدّ قرينة البراءة من أسمى الضمانات التي تقوم عليها العدالة الجنائية الحديثة، باعتبارها التعبير القانوني الأرقى عن كرامة الإنسان وحقه في المحاكمة العادلة، وحدود السلطة الزجرية في مواجهة الفرد. فهي لا تمثل مجرد قاعدة إجرائية تُستحضر عند الفصل في القضايا، بل تشكّل مبدأً دستوريًا يؤطر علاقة الدولة بالمواطن منذ لحظة الاشتباه الأولى إلى غاية صدور حكم قضائي نهائي.
وفي السياق المغربي، حرص دستور 2011 على
تكريس هذا المبدأ ضمن منظومة الحقوق والحريات الأساسية، من خلال الفصل 23 الذي ينص
على أن كل شخص يُعد بريئًا إلى أن تثبت إدانته بحكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به.
غير أن الانتقال من هذا الإقرار المعياري إلى تجسيده العملي داخل مسارات البحث
والتحقيق والمحاكمة يظل مسارًا معقدًا، تحكمه اعتبارات قانونية ومؤسساتية وثقافية
متداخلة.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع دخول القانون رقم
03.23 المعدِّل لقانون المسطرة الجنائية حيّز التنفيذ، بما يطرح تساؤلًا مركزيًا
حول مدى قدرة الإصلاحات الأخيرة على تعزيز الحماية الفعلية لقرينة البراءة، بدل
الاكتفاء بتكريسها في مستوى الخطاب التشريعي.
في هذا الإطار، يندرج هذا المقال ضمن سلسلة
"الوثيقة" حول السياسة الجنائية، سعيًا إلى تفكيك مظاهر التوتر بين
الخطاب الحقوقي والممارسة القضائية، ورصد حدود الوفاء الواقعي لهذا المبدأ المؤسس
لدولة القانون.
قرينة البراءة في المغرب: من النص الدستوري إلى الممارسة القضائية
أولًا: التأصيل الدستوري والقانوني لقرينة البراءة
يشكّل مبدأ قرينة البراءة أحد الأعمدة الكبرى
للعدالة الجنائية، وقد حظي بتكريس مزدوج داخل المنظومة القانونية المغربية، سواء
على المستوى الدستوري أو التشريعي.
فإلى جانب التنصيص الصريح الوارد في الفصل 23
من الدستور، أكدت مقتضيات قانون المسطرة الجنائية هذا المبدأ من خلال قواعد
الإثبات، وشروط الاعتقال، وضمانات الدفاع، بما يجعل من قرينة البراءة مرجعًا
موجّهًا لكافة مراحل الدعوى العمومية.
كما يتعزز هذا التوجه بانخراط المغرب في
الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، وعلى رأسها العهد الدولي الخاصبالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكرّس المبدأ ذاته ضمن معايير المحاكمة العادلة.
ثانيًا: قرينة البراءة في مرحلة البحث التمهيدي
تُعدّ مرحلة البحث التمهيدي من أكثر المراحل
حساسية بالنسبة لقرينة البراءة، بالنظر لما تتسم به من سلطة تقديرية واسعة مخوّلة
للضابطة القضائية.
ففي هذه المرحلة، قد يواجه المشتبه فيه مخاطر
متعددة، من قبيل التنميط المسبق، أو تسريب المعطيات، أو تقديمه للرأي العام في
صورة "فاعل محتمل"، قبل اكتمال شروط الإثبات القانونية.
كما أن بعض البلاغات أو التصريحات غير
الدقيقة قد تساهم في ترسيخ صورة ذهنية سلبية، تمس جوهر قرينة البراءة، وتؤثر
لاحقًا في مسار المحاكمة وفي نظرة المجتمع إلى المعني بالأمر.
ثالثًا: قرينة البراءة أثناء التحقيق والمحاكمة
خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة، يفترض أن
تبلغ حماية قرينة البراءة أقصى درجاتها، باعتبار القضاء الحارس الطبيعي للحقوق
والحريات.
غير أن الواقع العملي يكشف أحيانًا عن
استعمال لغة قضائية غير محايدة في بعض القرارات، أو تعليلات توحي ضمنيًا بثبوت
الفعل قبل صدور الحكم النهائي، وهو ما قد يضعف القيمة العملية للمبدأ.
كما أن طول أمد المساطر، مقرونًا باللجوء
المتكرر إلى الاعتقال الاحتياطي، قد يحوّل قرينة البراءة من ضمانة فعالة إلى عبء
نظري، لا ينعكس بالضرورة على الوضع الحقيقي للمتابع.
رابعًا: الإشكالات العملية في تنزيل المبدأ
تواجه قرينة البراءة، في الممارسة اليومية،
عدة إشكالات واقعية، يرتبط أبرزها بالإفراط في الاعتقال الاحتياطي، وببعض أشكال
التغطية الإعلامية التي تصدر أحكامًا موازية، وبالضغط الاجتماعي الذي يرافق
القضايا ذات الحساسية الخاصة.
وفي مثل هذه السياقات، قد تطغى المطالبة بالزجر
السريع على متطلبات المحاكمة العادلة، بما يهدد التوازن المفترض بين حماية المجتمع
وصون حقوق الأفراد.
خامسًا: دور النيابة العامة والقضاء في حماية المبدأ
تقع على عاتق النيابة العامة مسؤولية مركزية
في صون قرينة البراءة، من خلال ترشيد قرارات الاعتقال، وضبط التواصل المؤسساتي،
واحترام مبدأ التناسب في تحريك الدعوى العمومية.
كما يضطلع القضاء بدور حاسم في هذا المجال
عبر التعليل المتوازن للأحكام، وضمان حقوق الدفاع، ومقاومة كل أشكال الأحكام
المسبقة.
ويُعدّ نجاح هذين الفاعلين في أداء هذه
الأدوار معيارًا أساسيًا لمدى نضج السياسة الجنائية وفعاليتها الحقوقية.
سادسًا: قراءة نقدية في حدود الحماية الواقعية
رغم التطور الملحوظ في الترسانة القانونية،
لا تزال قرينة البراءة تعاني من هشاشة تطبيقية، تعود إلى مجموعة من العوامل
المتداخلة، من بينها هيمنة الثقافة الاحترازية، وضعف التكوين الحقوقي، وضغط
الملفات، وبطء الإصلاح المؤسساتي.
وهو ما يجعل هذا المبدأ، في عدد من الحالات،
أقرب إلى شعار قانوني منه إلى ممارسة يومية راسخة.
سابعا: امتداد الحماية الجنائية في الفضاء الرقمي: قرينة البراءة والحق في النسيان
في ظل التحول الرقمي المتسارع سنة 2026، لم
يعد كافيًا ضمان قرينة البراءة داخل ردهات المحاكم فقط، بل بات لزامًا حمايتها
أيضًا في الفضاء الرقمي، حيث تنتشر المعطيات والأخبار بسرعة تفوق قدرة الأفراد على
تصحيحها.
فبموجب
القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وتماشيًا مع
مستجدات القانون رقم 03.23، أضحى "الحق في النسيان الرقمي" آلية أساسية
لجبر الضرر المعنوي للأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام نهائية بالبراءة.
لماذا يهم هذا الحق؟
- تطهير السجل الرقمي: يحق للمبرَّأين قانونًا المطالبة بحذف الروابط
والمحتويات التي تحيل إلى متابعتهم السابقة من محركات البحث وقواعد البيانات
الإعلامية.
- حماية السمعة الرقمية: تقتضي
قرينة البراءة ألا يظل الفرد أسيرًا لـ "وصمة رقمية" تعيق
اندماجه الاجتماعي والمهني وتطارده في نتائج البحث الإلكتروني.
- مسؤولية المنصات الرقمية: تلتزم
المواقع والمنصات بتحيين معطياتها؛ إذ يُعد الإبقاء على أخبار المتابعة دون
الإشارة إلى قرار البراءة مساسًا جوهريًا بالحقوق الأساسية وخطأً موجباً
للمسؤولية القانونية.
📌 صندوق المرجعية
"قرينة البراءة ليست امتيازًا للمتهم، بل ضمانة للمجتمع
كله ضد الخطأ والتعسف."
يعكس هذا الاقتباس جوهر الفلسفة الجنائية
الحديثة، التي تجعل من حماية الأبرياء أساسًا لشرعية العقاب، ومن احترام الإجراءات
شرطًا لبناء الثقة في القضاء.
خاتمة وتوصيات
تُعدّ قرينة البراءة الميزان الحقيقي لعدالة
أي نظام جنائي. فحيثما كانت محمية بفعالية، كانت العدالة قوية، وحيثما أُضعفت،
اهتزت شرعية الزجر.
إن الرهان اليوم لا يكمن في تكريس المبدأ على
المستوى النصي فحسب، بل في ترسيخه ثقافيًا ومؤسساتيًا، عبر ترشيد الاعتقال
الاحتياطي، وضبط الخطاب الإعلامي، وتعزيز التكوين الحقوقي، وتطوير آليات المراقبة
والمساءلة.
وفي انسجام مع روح القانون رقم 03.23، يبقى
التحدي الأكبر هو تحويل قرينة البراءة من مبدأ مُعلن إلى ممارسة يومية، تصون كرامة
الإنسان، وتؤسس لعدالة تحمي المجتمع دون أن تظلم أفراده.
⚖️ وثائق مرجعية (PDF)
مرجع دولي أساسي لحقوق الإنسان، يكرّس قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، ويُلزم الدول باحترامها في التشريع والممارسة.
.png)