في خضم النقاش المتجدد حول إصلاح المنظومة الجنائية بالمغرب، يطفو إلى السطح سؤال جوهري يتجاوز منطق التعديل التقني للنصوص، ليمسّ جوهر العدالة الجنائية وحدود السلطة الزجرية للدولة.
ويكتسي هذا النقاش راهنية خاصة مع دخول
القانون رقم 03.23 المعدِّل لقانون المسطرة الجنائية حيّز التنفيذ ابتداءً من
دجنبر 2025، بما يجعل المبادئ الجنائية التي نناقشها في هذا المقال بمثابة معايير
مرجعية لتقييم مدى نجاح هذا الإصلاح في أشهره الأولى، ورصد مدى التزام الممارسة
القضائية بروحه الحقوقية.
فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الفصول
المعدلة، ولا بصرامة العقوبات المقترحة، بل بمدى احترام المبادئ المؤسسة التي
تشكّل العمود الفقري لدولة القانون.
في هذا السياق، تندرج هذه الدراسة ضمن سلسلة
"الوثيقة" حول السياسة الجنائية، لتعيد طرح النقاش من زاوية الضمانات
الدستورية والتشريعية، وتفحص مدى انسجام مسارات التحديث مع روح العدالة والإنصاف،
بعيدًا عن منطق الانفعال والضغط الظرفي.
بين منطق الإصلاح وحدود السلطة الزجرية في السياسة الجنائية
المبادئ الجنائية: أساس أي إصلاح حقيقي
لا يمكن تقديم أي إصلاح جنائي على أنه تقدم
تشريعي دون إخضاعه لمساءلة صارمة من زاوية المبادئ المؤسسة للقانون الجنائي. فهذه
المبادئ لا تُختزل في شعارات قانونية، بل تشكّل ضمانات جوهرية تفصل بين دولة
القانون ومنطق العقاب الظرفي أو التدبير الانفعالي للعدالة الجنائية.
مبدأ الشرعية: لا جريمة ولا عقوبة خارج النص
يُعد مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات من
الثوابت غير القابلة للتفاوض أو التأويل الانتقائي. وقد كرّسه الفصل 3 من القانون
الجنائي المغربي بنص صريح:
"لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعد جريمة بصريح القانون،
ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون."
وأي خروج عن هذا المبدأ، مهما كانت مبرراته
السياسية أو الأخلاقية، يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القانوني، ويمس بثقة الأفراد
في العدالة الجنائية.
التجريم: ليس ردّ فعل ولا أداة شعبوية
التجريم في فلسفته الأصيلة إجراء استثنائي،
لا يُبرَّر إلا بوجود اضطراب اجتماعي حقيقي يمس النظام العام. غير أن بعض
المقترحات الراهنة تكشف ميلًا نحو توسيع دائرة الأفعال المجرّمة استجابةً للضغط
الإعلامي أو المزاج العام، في تناقض واضح مع منطق العقلنة والتناسب الذي ينبغي أن
يحكم السياسة الجنائية الحديثة.
عدم الرجعية: ضمانة لا امتياز تشريعي
تمثل قاعدة عدم رجعية القانون الجنائي أحد
أعمدة العدالة الجنائية. وقد نص الفصل 4 من مجموعة القانون الجنائي على أن:
"لا يؤاخذ أحد على فعل لم يكن جريمة بمقتضى القانون الذي
كان ساريًا وقت ارتكابه."
ولا يُستثنى من هذه القاعدة إلا تطبيق
القانون الأصلح للمتهم قبل صدور حكم نهائي. أما محاولة الالتفاف على هذا المبدأ
بدعوى الردع أو التشديد، فتعكس فشلًا في التمييز بين العدالة الجنائية والعقاب
الانتقامي.
العقوبات البديلة: خيار إصلاحي أم إصلاح مؤجل؟
رغم التوجه التشريعي نحو إقرار العقوبات
البديلة، خاصة في إطار القانون رقم 43.22، تظل الإشكالية الحقيقية مرتبطة بمدى
إيمان الممارسة القضائية بها كخيار إصلاحي فعلي، لا كاستثناء ثانوي.
فالعقوبة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للحد
من العود وتحقيق إعادة الإدماج، وتهميش البدائل يُفرغ خطاب الإصلاح من مضمونه.
التدابير الوقائية وحدود السلطة الزجرية
التدابير الوقائية ليست مجالًا للاجتهاد
المفتوح، بل تخضع لضوابط قانونية دقيقة كما ورد في الفصل 61 وما يليه من القانون
الجنائي.
وأي توسيع غير منضبط لهذه التدابير، خارج
إطار النص، يفتح الباب أمام تغوّل غير مبرر للسلطة الزجرية تحت ذريعة الحماية الاجتماعية.
الاختصاص الجنائي خارج الإقليم: حماية مشروعة أم توسع مقلق؟
يمتد اختصاص القضاء الجنائي المغربي ليشمل
بعض الجرائم المرتكبة خارج الإقليم، وفقًا للفصول 10 و11، حمايةً للمصالح الجوهرية
للدولة.
غير أن هذا الامتداد يفرض حذرًا مضاعفًا، حتى
لا يتحول إلى مساس بالضمانات الدولية للمحاكمة العادلة أو تجاوز لحدود الاختصاص
المشروع.
أي سياسة جنائية نريد؟
إن الإصلاح الجنائي لا يُقاس بعدد الفصول
المعدّلة، ولا بحدة العقوبات المقترحة، بل بمدى احترام المبادئ المؤسسة: الشرعية،
التناسب، وحماية الحرية الفردية.
وأي سياسة جنائية تتجاهل هذه الأسس، تظل
إصلاحًا شكليًا، ولو ارتدت خطاب التحديث.
📌 صندوق المرجعية
"إن القانون الجنائي لا يحمي فقط المجتمع من المجرمين، بل
يحمي أيضًا الأبرياء من تعسف السلطة عبر التمسك الصارم بمبدأ الشرعية."
يعكس هذا الاقتباس جوهر الفلسفة الجنائية
الحديثة، التي تجعل من حماية الحقوق والحريات أساسًا لأي سياسة زجرية مشروعة،
وتربط بين فعالية العدالة واحترامها للضمانات الدستورية، وتجعل من الشرعية السياج
الأول ضد كل انحراف سلطوي.
خاتمة
إن الرهان الحقيقي للإصلاح الجنائي لا يكمن
في تشديد الزجر ولا في توسيع دائرة التجريم، بل في بناء منظومة متوازنة تحمي
المجتمع دون المساس بجوهر الحقوق والحريات.
فمتى غابت الشرعية، واختلّ التناسب، وتراجعت
الضمانات، تحوّل القانون الجنائي من أداة للعدالة إلى وسيلة للضبط الاجتماعي، وفقد
وظيفته الإصلاحية.
وعليه، فإن أي مشروع تحديث لا يستحضر هذه
المبادئ المؤسسة، يظل إصلاحًا شكليًا، قابلًا للانكسار أمام أول اختبار واقعي.
ضمن هذا الأفق، تدعو "الوثيقة" إلى
إعادة الاعتبار للبعد الحقوقي والعقلاني في السياسة الجنائية، باعتباره المدخل
الأساس لترسيخ الثقة في العدالة، وبناء أمن قانوني مستدام، في انسجام مع روح
القانون رقم 03.23 ومقاصده الإصلاحية.
.png)