تطبيقات النقل بالمغرب: تحليل قانوني لإشكاليات الوساطة الرقمية
وحماية المعطيات الشخصية
مقدمة: تطبيقات النقل بالمغرب من الظاهرة الهامشية إلى الواقع المفروض
أفرز التحول الرقمي خلال العقد الأخير أنماطًا جديدة لتنظيم الخدمات،
كان من أبرزها بروز تطبيقات النقل كواجهة تقنية جديدة لربط العرض بالطلب في مجال
التنقل الحضري. وبالمغرب، لم يعد حضور هذه التطبيقات مجرد تجربة معزولة أو ظاهرة
هامشية، بل أصبح واقعًا مفروضًا، أعاد طرح أسئلة قانونية وتنظيمية عميقة تتجاوز
ثنائية القبول أو الرفض.
لقد انتقل النقاش، تدريجيًا، من منطق الرفض المطلق إلى البحث عن صيغ للتنظيم، غير أن هذا الانتقال ظل مشوبًا بخلط منهجي بين التكنولوجيا كوسيلة والنشاط القانوني كموضوع للتنظيم، وهو خلط أفضى في كثير من الأحيان إلى استنتاجات خاطئة، في مقدمتها الترويج لفكرة "الفراغ القانوني".
من هذا المنطلق، تسعى هذه القراءة إلى تفكيك الإطار القانوني المؤطر
لتطبيقات النقل بالمغرب، وبيان ما ينظمه القانون فعلًا، وحدود السلطة التنظيمية
للإدارة، مع إبراز الأبعاد المرتبطة بالتسعير، والمنافسة، والاستقرار الاجتماعي
لقطاع سيارات الأجرة.
أولًا: الإطار القانوني القائم… ماذا ينظّم وماذا لا ينظّم؟
يرتكز تنظيم النقل العمومي غير المنتظم بالمغرب، بما فيه سيارات
الأجرة، أساسًا على الظهير الشريف رقم 1.63.260 المتعلق بالنقل بواسطة السيارات عبر الطرق، الذي
اعتبر خدمة سيارات الأجرة مرفقًا عموميًا محليًا يخضع للترخيص والتنظيم من قبل
السلطات المحلية.
وقد انصبّ هذا الإطار، منذ إقراره، على:
- تنظيم
أصناف النقل،
- تحديد مجالات الاشتغال،
- ضبط نظام الترخيص والاستغلال،
- وتأطير الطابع الإداري للمرفق.
غير أن هذا النص، بحكم سياقه التاريخي، لم يتضمن أي مقتضيات تتعلق
بالوساطة الرقمية، ولا أتى على ذكر مفاهيم من قبيل "التطبيق"، أو "المنصة"، أو
"الربط التكنولوجي بين السائق والزبون". وهو ما يطرح اليوم إشكال الملاءمة، دون أن
يعني ذلك إباحة غير مشروطة لأي نشاط رقمي.
فكرة محورية
القانون ينظّم النشاط، لا الوسيلة.
وغياب ذكر "التطبيق" لا يعني إباحة كل ما يُنجز عبره.
ثانيًا: القرار العاملي رقم 1853 ورسالة وزير الداخلية… تنظيم لا شرعنة
في سياق مواكبة التحولات التقنية، أصدرت السلطات الإدارية لعمالة مراكش
– على غرار عمالات أخرى – القرار العاملي رقم 1853 بتاريخ
11 شتنبر 2018، المتعلق بتحديد شروط وكيفيات مزاولة نشاط ربط الاتصال عبر
وسائط تكنولوجية حديثة بين الزبون وسائق سيارة الأجرة لتقديم خدمة النقل.
ويُستفاد من هذا القرار أن:
- موضوع الترخيص هو نشاط الربط وليس النقل،
- المستفيد من الخدمة هو سائق سيارة أجرة مرخّص،
- الوسيط التكنولوجي لا يُنشئ حقًا في النقل، بل يواكب خدمة قائمة
قانونًا.
ويأتي هذا القرار امتدادًا مباشرًا لرسالة وزير الداخلية عدد 520 بتاريخ 29 يونيو 2018، التي كرّست التوجه نفسه،
باعتبار أن:
- النشاط المرخص هو تنظيم ربط الاتصال،
- داخل منظومة سيارات الأجرة،
- وليس نقل الأشخاص خارج الإطار القانوني القائم.
خلاصة
الإدارة لم تُشرعن تطبيقات النقل كفاعل مستقل، بل نظّمت
نشاط ربط الاتصال المحايد داخل مرفق عمومي منظم سلفًا.
ثالثًا: قانون النقل… الخط الأحمر القانوني
يشكّل الظهير الشريف رقم 1.63.260 المتعلق بالنقل بواسطة السيارات عبر الطرق، كما
تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 16.99، المرجعَ القانوني الحاسم في هذا النقاش، باعتباره النص الذي ينظّم
صراحة نشاط النقل العمومي للمسافرين ويضبط شروط ممارسته.
فهذا القانون لا يكتفي بتأطير النقل من حيث الترخيص والاستغلال، بل
يرسم حدودًا زجرية واضحة، إذ يجرّم:
- كل استغلال لمصلحة عمومية لنقل المسافرين بواسطة سيارة غير مقبول
بها أو غير مرخص لها،
- وكل ممارسة لمهنة وسيط بين الناقل والزبون بأي صفة من
الصفات،
- وكل مساعدة لهذا الاستغلال خارج الإطار القانوني.
وبذلك، فإن نقل الأشخاص مقابل أجر خارج إطار المركبات المرخص لها
قانونًا يُعد نقلًا غير مشروع، كما أن كل تدخل وسيط يمس جوهر خدمة النقل أو شروط
الولوج إليها يقع تحت طائلة المنع، بغضّ النظر عن الوسيلة المستعملة، بما في ذلك
الوسائط الرقمية.
غير أن هذا المنع لا يستهدف كل شكل من أشكال التنظيم التقني، بل ينصرف
إلى الوساطة المتحكمة. أما
ربط الاتصال المحايد داخل منظومة سيارات الأجرة، الذي لا يتدخل
في التسعير ولا ينشئ حقًا في النقل، فإنه يندرج ضمن التنظيم الإداري المباح.
خلاصة حُجّية
القانون لا يمنع التكنولوجيا، بل يمنع النقل والوساطة غير
المرخصين.
رابعًا: التطبيق… أداة ربط أم وسيط متحكم؟
لا يطرح الإشكال القانوني في وجود التطبيق في حد ذاته، بل في الدور
الفعلي الذي يضطلع به داخل منظومة النقل. فالتطبيق يبقى أداة ربط تقني مشروعة متى اقتصر على تنظيم الولوج إلى
الخدمة، على غرار محطة سيارات الأجرة، دون أن يمارس سلطة اقتصادية أو تنظيمية.
غير أن التطبيق يفقد هذه الصفة، ويتحول إلى وسيط محظور،
كلما:
- تدخل في تحديد التسعيرة أو التأثير فيها،
- وجّه الطلب أو ضبط العرض،
- انتقى السائقين أو أقصاهم خارج مسطرة تنظيمية،
- اعتمد نظام تقييم يترتب عنه جزاء فعلي،
- أو مارس تحكمًا في الولوج دون سند إداري.
في هذه الحالة، لا نكون أمام ربط اتصال، بل أمام فاعل نقل
مقنّع أو وساطة متحكمة، تقع ضمن دائرة المنع.
خامسًا: التسعيرة… جوهر المنع وحدّ التمييز
من بين أهم أسباب منع التطبيقات غير المرخصة داخل منظومة سيارات
الأجرة، تبرز مسألة التسعيرة باعتبارها اختصاصًا أصيلًا للإدارة.
فثمن الرحلة:
- يُحدَّد عبر العداد بالنسبة لسيارات الأجرة الصغيرة،
- أو عبر تعرفة مضبوطة بقرار عاملي بالنسبة لسيارات الأجرة الكبيرة.
ولا يُسمح قانونًا بأي تسعير مسبق أو ديناميكي خارج هذا الإطار.
وقد عالجت الإدارة هذا الإشكال في التطبيقات المرخصة عبر
قاعدة واضحة:
الثمن الإجمالي = ثمن الرحلة القانوني + ثمن خدمة الربط التقني
على أن يخضع ثمن الخدمة للإشهار المسبق واحترام قانون حماية المستهلك.
سادسًا: المنافسة غير المشروعة وتدخل مجلس المنافسة
إن اشتغال التطبيقات غير المرخصة خارج منظومة الترخيص والتسعير يُفضي
إلى منافسة غير مشروعة داخل سوق منظم، عبر الاستفادة من امتياز
غير مشروع ناتج عن:
- عدم احترام التسعيرة،
- عدم تحمل الأعباء التنظيمية،
- عدم الخضوع لنفس الالتزامات القانونية.
وقد أخذ هذا البعد منحًى مؤسساتيًا بدخول مجلس المنافسة
على خط النقاش، عقب شكاية تقدمت بها شركة مغربية صاحبة تطبيق مرخص، حيث باشر
المجلس مساطر الاستماع والتحقيق.
سابعًا: البعد الاجتماعي… تدمير مورد العيش الأساسي
لا يتعلق الأمر فقط بقواعد السوق، بل بحماية قطاع منظم تاريخيًا يعتمد
عليه آلاف السائقين كمورد عيش أساسي لإعالة أسرهم.
في المقابل، يروّج خطاب التطبيقات غير المرخصة لفكرة "الدخل
الإضافي" لأصحاب السيارات الخاصة، وهو منطق يقوم على منافسة غير متكافئة بين
نشاط مهني قار، ونشاط ثانوي غير خاضع لنفس الالتزامات.
خلاصة اجتماعية
حين يُنافس الدخل الإضافي موردَ العيش الأساسي، لا نكون
أمام اقتصاد تشاركي، بل أمام منافسة تُقوّض قطاعًا منظمًا.
ثامنا: التطبيقات وحماية المعطيات الشخصية… من تنظيم النقل إلى سؤال السيادة الرقمية
لا يقتصر أثر تطبيقات النقل على تنظيم الولوج إلى خدمة التنقل، بل يمتد
ليشمل معالجة كثيفة لمعطيات ذات طابع شخصي، تجعل هذه التطبيقات خاضعة، بحكم
طبيعتها ووظيفتها، لمقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين
تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وكذا المرسوم رقم 2.09.165 الصادر
لتطبيقه.
فنشاط هذه التطبيقات يقوم، في جوهره، على تجميع ومعالجة معطيات حساسة،
من بينها على الخصوص:
- التتبع الجغرافي اللحظي لمسارات الزبناء والسائقين،
- تخزين بيانات التنقل وسجل الرحلات،
- تقييم السائقين والزبناء وربط ذلك بإمكانية الاستمرار في الخدمة،
- تحليل سلوك الاستهلاك وأنماط التنقل.
وهذه المعطيات لا تُعد معطيات تقنية محايدة، بل تدخل ضمن المعطيات
الشخصية المحمية قانونًا، لما تتيحه من إمكانية التعرف على الأشخاص، ورصد
تحركاتهم، وبناء ملفات سلوكية دقيقة عنهم.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل نقاش تطبيقات النقل عن الأسئلة المرتبطة
بـ:
- مشروعية جمع المعطيات ومعالجتها،
- حدود الغاية من الاستعمال،
- مدة الاحتفاظ بالبيانات،
- شروط الموافقة الصريحة والمستنيرة،
- ومكان تخزين المعطيات، خاصة عندما تكون الخوادم خارج التراب
الوطني.
وهنا ينتقل النقاش من مجرد إشكال نقل حضري أو تنظيم مهني، إلى إشكال
أعمق يتصل بـ السيادة الرقمية، وحماية الحياة الخاصة، وضمان ألا
تتحول تطبيقات النقل إلى أدوات تتبع غير خاضعة لرقابة قانونية فعالة.
خلاصة هذا المحور
إن أي
تقنين لتطبيقات النقل، أو تسامح مع ممارستها، لا يمكن أن يكون مكتملًا أو مشروعًا،
ما لم يُدمج بشكل صريح وحازم مقتضيات حماية المعطيات الشخصية، ويُخضع هذه
التطبيقات لرقابة فعلية من قبل السلطة المختصة، ضمانًا لحقوق الأفراد، وحمايةً
للثقة في التحول الرقمي.
🔗 التشبيك
الموضوعي والامتداد التحليلي
لا يمكن مقاربة إشكاليات تطبيقات
النقل بالمغرب بمعزل عن السياق القانوني العام المؤطر لقطاع سيارات الأجرة؛ لذلك
يندرج هذا التحليل ضمن امتداد فكري وقانوني أوسع، تُستكمل معالمه من خلال
الدراستين التاليتين:
أولًا: الوضعية المهنية للسائق
توقفت دراستنا » سائق سيارة الأجرة بالمغرب: أجير أم غير أجير؟« عند حدود التكييف الشغلي،
وبيّنت أن صفة السائق لا تُستمد من الوسيلة الرقمية أو من طبيعة التطبيق، بل من
عناصر عقد الشغل كما يستخلصها القضاء من الواقع العملي، وعلى رأسها التبعية
القانونية ومقابل الأجر.
ثانيًا: التحديات التشريعية والرقمنة
يندرج هذا المقال ضمن الامتداد التحليلي لدراسة » قطاع
سيارات الأجرة بالمغرب: بين ظهير 1963 وتحديات الرقمنة (دراسة تحليلية) «،
التي توقفت عند الإطار القانوني المؤسس للقطاع، وخلصت إلى ضرورة الفصل الواضح بين
تنظيم المرفق العمومي للنقل وتنظيم الأدوات التقنية المستعملة داخله، تفاديًا
للخلط بين الوسيلة والنشاط.
خلاصة التشبيك
إن الجدل الدائر حول تطبيقات النقل لا يعبّر عن إشكال
تقني عابر، بقدر ما يعكس توترًا بنيويًا بين نص قانوني مؤسس (ظهير 1963) وتحولات
رقمية متسارعة لم تحظَ بعد بإطار تشريعي متكامل، قادر على استيعابها دون المساس
بتوازنات قطاع منظم تاريخيًا.
خاتمة
ليست تطبيقات النقل هي المشكلة في حد ذاتها، ولا التكنولوجيا عائقًا
أمام التطوير، بل إن جوهر الإشكال يكمن في غياب إطار تشريعي صريح يميز بوضوح بين:
- النقل كخدمة عمومية منظمة،
- وربط الاتصال كأداة تنظيم تقنية محايدة،
- والوساطة المتحكمة كنشاط محظور.
فلا تنظيم بلا نص،
ولا عدالة دون وضوح قانوني،
ولا استقرار للقطاع دون حسم تشريعي يخرج النقاش من منطق
التدبير الظرفي إلى أفق القانون.
⚖️ النصوص القانونية المرجعية المعتمدة
·
الظهير
الشريف رقم 1.63.260 المتعلق بالنقل بواسطة السيارات عبر الطرق
·
القانون
رقم 16.99 المتمم والمعدل لظهير 1963
·
القرار
العاملي رقم 1853 بتاريخ 11 شتنبر 2018
·
القانون
رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي
·
المرسوم
رقم 2.09.165 لتطبيق القانون رقم 09.08
.png)