سائق سيارة الأجرة بالمغرب: أجير أم غير أجير؟
قراءة قانونية في النصوص وحدود السلطة التنظيمية
مقدمة
يُثار منذ
مدة، وبحدة متزايدة، نقاش واسع داخل قطاع سيارات الأجرة بالمغرب حول الوضعية
المهنية للسائق: هل هو أجير أم غير أجير؟
وقد تعزز هذا
الجدل عقب صدور الدورية الوزارية رقم 444، وتنزيلها الترابي عبر القرار العاملي
رقم 2806 بمدينة مراكش، وما صاحب ذلك من بروز فاعلين جدد، وفي مقدمتهم الشخص
المعنوي (الشركة)، واعتماد صيغ تنظيمية وعقود نموذجية جديدة.
غير أن هذا
النقاش، في جوهره، لا يمكن حسمه بالشعارات أو التأويلات المتسرعة، بل يقتضي قراءة
هادئة للنصوص القانونية المؤطرة، وفهم حدود السلطة التنظيمية للإدارة، والتمييز
الدقيق بين التنظيم الإداري والتكييف الشغلي.
أولًا: القصور التشريعي في تنظيم الوضعية المهنية لسائقي سيارات الأجرة
يرتكز تنظيم
قطاع سيارات الأجرة بالمغرب أساسًا على الظهير الشريف رقم 1.63.260 المتعلق بالنقل
بواسطة السيارات عبر الطرق. ورغم أن هذا النص شكّل، في سياقه التاريخي، إطارًا
ناجحًا لهيكلة القطاع من الناحية التقنية والإدارية، من خلال تحديد أصناف النقل
ومجالات الاشتغال وضبط نظام الترخيص، فإنه حصر مقاربته في اعتبار سيارات الأجرة
مرفقًا عموميًا محليًا خاضعًا لسلطة الإدارة وتنظيمها، دون أن يمتد إلى تنظيم
الوضعية القانونية لمن يزاول النشاط فعليًا داخل هذا المرفق.
الفجوة بين تنظيم «الخدمة» وتنظيم «الشغل»
تتجلى الإشكالية الجوهرية في هذا الإطار التشريعي في إغفاله التام للوضعية المهنية لسائق سيارة الأجرة، إذ انصبّ اهتمام الظهير على تنظيم الخدمة العمومية والمرفق الإداري، وأهمل تنظيم علاقة الشغل المرتبطة باستغلال هذا النشاط. ويمكن إبراز مظاهر هذه الفجوة في العناصر التالية:
- غياب التحديد الصفاتي: لم يحدد النص المركز القانوني
للسائق، سواء باعتباره أجيرًا أو غير أجير، ولم يتناول وضعه المهني بأي توصيف
صريح.
- الإحالة الضمنية على القواعد العامة: أدى
غياب نص خاص ينظم علاقة السائق بالاستغلال أو بصاحب الرخصة إلى ترك هذا
المجال خاضعًا للقواعد العامة لقانون الشغل، وللاجتهاد القضائي الذي يتولى
تكييف العلاقة انطلاقًا من الوقائع العملية.
- أولوية المرفق على المهني: ركز المشرع سنة 1963 على النقل باعتباره خدمة عمومية، مما جعل السائق فاعلًا حاضرًا في الواقع ومغيبًا في النص التشريعي، خارج أي تنظيم قانوني مباشر لوضعيته المهنية.
وبذلك، يكون
ظهير 1963 قد نظّم النقل كخدمة عمومية، لا السائق كفاعل مهني، واشتغل على المرفق
لا على علاقة الشغل، وهو ما يجعل أي تكييف قانوني لوضعية من يسوق سيارة الأجرة
خارجًا عن نصه، ومؤسسًا على القواعد العامة والوقائع العملية وحدها.
ثانيًا: القانون رقم 98.15… ماذا يقول وماذا لا يقول
يتعلق القانون رقم 98.15 بنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطًا خاصًا، كما وقع تغييره وتتميمه.
وتبقى غاية هذا القانون اجتماعية محضة، تتمثل في توسيع التغطية الصحية لفئات لا تخضع لنظام الأجراء، دون أن يكون هدفه تكييف الوضعيات المهنية أو إعادة تصنيف علاقات الشغل.
كما أن هذا
القانون لم يذكر سائق سيارة الأجرة صراحة، ولم يكيّفه كأجير أو غير أجير، مما يؤكد
أن المشرّع الاجتماعي لم يكن بصدد الحسم في الوضعية الشغلية، بل بصدد تحديد فئات
الاستفادة من الحماية الاجتماعية.
ثالثًا: دلالة عبارة «غير الأجراء» في المرسوم التطبيقي
استعمل
المرسوم رقم 2.18.622 الصادر لتطبيق القانون 98.15 عبارة:
«العاملون
بقطاع النقل الطرقي غير الأجراء، الحاملون لبطاقة السائق المهني…»
وقد أُثير حول هذه الصيغة نقاش مفاده أن تخصيص «غير الأجراء» قد يفيد ضمنيا وجود «أجراء» داخل نفس الفئة.
غير أن القراءة القانونية الدقيقة تبيّن أن هذه العبارة لا ترمي إلى تصنيف العاملين أو إنشاء فئتين متقابلتين، بل تهدف فقط إلى تحديد نطاق الاستفادة من نظام الحماية الاجتماعية، واستبعاد كل من تثبت خضوعه لنظام الأجراء من هذا الإطار الخاص.
نحن إذن أمام
توصيف اجتماعي لأغراض التغطية الصحية، لا أمام توصيف شغلي بالمعنى القانوني.
رابعًا: القرار العاملي والدورية الوزارية… سلطة تنظيم لا سلطة إنشاء
لا جدال في أن القرار العاملي رقم 2806 لمدينة مراكش ، المستند إلى ظهير 1963، يتمتع بقوة قانونية معتبرة، باعتباره صادرًا عن سلطة مختصة قانونًا بتنظيم مرفق عمومي محلي.
غير أن هذه
القوة تبقى قوة تنظيمية، لا ترقى إلى مرتبة إنشاء أو تعديل صفات قانونية.
- ينظمان شروط الاستغلال
- يحددان نماذج تعاقدية
- يضبطان العلاقة المهنية إداريًا
- ويؤطران تدخل الشخص المعنوي
فالقرار
العاملي والدورية الوزارية:
لكن لا يمكن
لهما، قانونًا، أن يفرضا علاقة شغل، أو يمنحا صفة الأجير، أو يسلباها، لأن التكييف
الشغلي يظل من اختصاص النص التشريعي الصريح أو القضاء.
خامسًا: متى يكون سائق سيارة الأجرة أجيرًا؟
في القانون
المغربي، لا تُستمد صفة الأجير من القرار الإداري أو من طبيعة الترخيص، بل من الواقع
العملي للعلاقة.
ويُعتبر
السائق أجيرًا فقط إذا توفرت عناصر عقد الشغل كما استقر عليها الاجتهاد القضائي
استنادًا إلى مدونة الشغل، وهي:
1.
أداء عمل
2.
مقابل أجر
3.
تبعية قانونية (سلطة الأمر والمراقبة
والجزاء)
فإن توفرت
هذه العناصر، وُجدت علاقة شغل، سواء داخل شركة أو خارجها.
وإن غابت،
بقي السائق مستغلًا -لسيارة الأجرة- مهنيًا مستقلًا، حتى لو اشتغل في إطار شركة أو
بموجب عقد منظم إداريًا.
سادسًا: الشركة لا تُنشئ صفة الأجير تلقائيًا
إن دخول
الشخص المعنوي إلى منظومة سيارات الأجرة لا يؤدي، في حد ذاته، إلى تحويل السائق
تلقائيًا إلى أجير.
فالعلاقة قد
تأخذ إحدى الصور التالية:
- علاقة شغل (إذا توفرت شروطها الواقعية)
- علاقة كراء مهني منظم
- أو علاقة اشتغال مستقلة مؤطرة إداريًا
والفيصل في
جميع الحالات هو طبيعة العلاقة الواقعية، لا التسميات ولا الصيغ التنظيمية.
خاتمة
إن الجدل الدائر حول الوضعية المهنية لسائق سيارة الأجرة لا يعكس تناقضًا في النصوص بقدر ما يعكس خلطًا بين مستويات مختلفة من القاعدة القانونية: بين التشريع والتنظيم، وبين التنظيم الإداري والتكييف الشغلي.
فالقرار العاملي والدورية الوزارية، مهما بلغت قوتهما التنظيمية، لا يمكن أن يُنشئا صفة الأجير أو يُلغياها.
والسائق لا يكون أجيرًا أو غير أجير بقرار إداري، بل بما تفرزه طبيعة العلاقة الواقعية في ضوء القانون والاجتهاد القضائي.
وضبط هذا
التمييز يظل شرطًا أساسيًا لنقاش مهني مسؤول، يحمي الحقوق، ويؤمّن استقرار القطاع،
ويمنع توظيف الغموض القانوني في اتجاهات متعارضة.
🔗 للتوسع في السياق العام
يندرج هذا النقاش حول الوضعية المهنية لسائق سيارة الأجرة ضمن إشكالية أوسع تتعلق بالإطار القانوني المؤطر لقطاع سيارات الأجرة بالمغرب، والتحولات التي يعرفها بين النصوص المؤسسة القديمة ومتطلبات التنظيم الحديث، وهو ما تم تناوله بالتفصيل في دراستنا السابقة:
قطاع سيارات الأجرة بالمغرب: بين ظهير 1963 وتحديات الرقمنة (دراسة تحليلية).
⚖️ الوثائق المرجعية المعتمدة
حرصاً على دقة المعلومة القانونية، واستناداً إلى النصوص الرسمية المنظمة لقطاع سيارات الأجرة، نضع رهن إشارة القارئ الوثائق المرجعية التي تم الاعتماد عليها في هذا التحليل:
الظهير الشريف رقم 1.63.260 المتعلق بالنقل بواسطة السيارات عبر الطرق: ↳ الاطلاع أو التحميل (PDF).
القانون رقم 98.15 المتعلق بنظام التأمين اإلجباري الأساسي عن المرض الخاص بفئات المهنيين والعمال المستقلين واألشخاص غير األجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا،كما وقع تغييره وتتميمه: ↳ الاطلاع أو التحميل (PDF).
الدورية الوزارية رقم 444 المتعلقة بتنظيم استغلال رخص سيارات الأجرة: ↳ الاطلاع أو التحميل (PDF).
المرسوم رقم 2.18.622 بتطبيق القانون رقم 98.15 والقانون رقم 99.15: ↳ الاطلاع أو التحميل (PDF).
القرار العاملي رقم 2806 بتاريخ 15 نونبر 2022 المتعلق بتنظيم خدمة النقل بواسطة سيارات الأجرة بمدينة مراكش: ↳ الاطلاع أو التحميل (PDF).
.png)
تعليقات
إرسال تعليق