قطاع سيارات الأجرة بالمغرب: بين ظهير 1963 وتحديات الرقمنة (دراسة تحليلية)
مقدمة
يشكل قطاع سيارات الأجرة بالمغرب
أحد المكونات الأساسية لمنظومة النقل العمومي غير المنتظم، بالنظر إلى أدواره
الاجتماعية والاقتصادية اليومية، سواء داخل المدن أو في الربط بين الأحياء
والمرافق الحيوية. ورغم هذه الأهمية، ظل القطاع، لعقود، محكوماً ببنية قانونية
وتنظيمية تقليدية، لم تواكب التحولات العميقة التي عرفها المغرب، خاصة على مستوى
التمدن، والحكامة الترابية، والتحول الرقمي.
ويرتكز الإطار القانوني المؤطر
لسيارات الأجرة أساساً على الظهير الشريف رقم 1.63.260 الصادر في 12 نونبر 1963بشأن النقل بواسطة السيارات عبر الطرق، كما تم تعديله وتتميمه، ولا سيما الفصل
الثاني منه، الذي يُخضع خدمات سيارات الأجرة لنظام الترخيص -المادونية- وللضوابط
التي تسنها السلطات المحلية المختصة. غير أن هذا الإطار، رغم التعديلات اللاحقة،
لم يعد قادراً على استيعاب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها القطاع
اليوم.
من هذا المنطلق، تسعى هذه المقالة إلى
تقديم قراءة شمولية لقطاع سيارات الأجرة بالمغرب، عبر تشخيص الإشكالات
البنيوية، وتحليل الإكراهات القانونية والتنظيمية، ورصد حدود النمط التقليدي
المعتمد، مع استشراف آفاق تطوير القطاع في ضوء متطلبات الحكامة الجيدة والرقمنة
المسؤولة.
أولاً: الإشكالات البنيوية لقطاع سيارات الأجرة
1- استمرار النمط التقليدي في التدبير
لا يزال قطاع سيارات الأجرة يشتغل وفق
منطق تقليدي في التنظيم والتدبير، يعتمد أساليب لم تعد منسجمة مع التحولات الحضرية
ولا مع تطور حاجيات المرتفقين. ويؤثر هذا الوضع سلباً على جودة الخدمة، وعلى صورة
سيارات الأجرة، كما يحدّ من قدرة القطاع على التحديث والتنافسية.
2- غياب رؤية وطنية واضحة للإصلاح
من أبرز الإشكالات البنيوية غياب رؤية استراتيجية وطنية لإصلاح قطاع سيارات الأجرة، رؤية تُشرك المهنيين، وتربط إصلاح النقل بسياسات التنمية الحضرية والتحول الرقمي. وغالباً ما تؤدي الإصلاحات الجزئية أو الظرفية إلى معالجة أعراض الأزمة بدل جذورها.
3- هشاشة الهيكلة والتنظيم
يعاني القطاع من ضعف واضح في الهيكلة
والتنظيم، سواء من حيث التمثيلية المهنية أو آليات التنسيق بين السلطات والمهنيين
والجماعات الترابية. ويُسهم هذا الوضع في غياب معايير موحدة للجودة، وفي تكريس
مظاهر الفوضى وتضارب المصالح.
ثانياً: الإشكالات القانونية والتنظيمية
1- إطار قانوني متجاوز
يستند تنظيم سيارات الأجرة في المغرب
إلى نصوص قانونية قديمة، في مقدمتها ظهير 1963، وهي نصوص لم تعد قادرة على مواكبة
التحولات الراهنة، خاصة ما يتعلق بعلاقة الإدارة بالمهنيين، وبروز أنماط جديدة
للاستغلال، وتغير أنماط الاستهلاك، وظهور التطبيقات الرقمية.
2- من الحوار إلى التنزيل: إشكالية التدرج والانسجام
عرف قطاع سيارات الأجرة مساراً
حوارياً مؤسساتياً قادته وزارة الداخلية مع التمثيليات النقابية، تُوّج بإصدار
مذكرات توجيهية وقرارات تنظيمية، من بينها القرار العاملي رقم 2806 بتاريخ 15نونبر 2022 المتعلق بتنظيم خدمة النقل بواسطة سيارات الأجرة بمدينة مراكش.
ويُعد هذا القرار إجراءً تنظيمياً ذا
طابع ترابي، يقتصر نطاق تطبيقه على تراب عمالة مراكش، ويصدر في إطار الصلاحيات
المخولة للسلطات المحلية بموجب الظهير الشريف المنظم للنقل الطرقي، ولا سيما الفصل
الثاني المعدل بالقانون رقم 16.99، الذي يعتبر سيارات الأجرة خدمات عمومية لنقل
المسافرين خاضعة للضوابط المحلية.
وفي هذا السياق، يندرج القرار العاملي
ضمن منطق التنزيل الترابي للتوجيهات المركزية، ويُعد تطبيقاً مباشراً
لمضامين الدورية الوزارية رقم 444، التي ترجمت مخرجات الحوار القطاعي معالخماسية النقابية.
غير أن الإشكال القائم لا يرتبط
بمشروعية هذه القرارات، بقدر ما يتعلق بـ:
- تعدد صيغ التنزيل الترابي من عمالة إلى أخرى،
- غياب إطار وطني موحد يضمن انسجام القرارات التنظيمية،
- محدودية وضوح المرجعيات
القانونية لدى فئات واسعة من المهنيين.
وهو ما يُغذي شعوراً بعدم الاستقرار
القانوني داخل قطاع سيارات الأجرة، رغم توفر الأساس التشريعي المؤطر له.
ثالثاً: مسار الحوار الاجتماعي والمؤسساتي حول إصلاح القطاع
1- من المطلب إلى الالتزام
تُظهر الوثائق المتاحة أن الحوار بين وزارة
الداخلية والخماسية النقابية لم يكن ظرفياً، بل انطلق من مذكرة مطلبية قطاعية قدمت
تشخيصاً دقيقاً لاختلالات قطاع سيارات الأجرة، واقترحت إصلاحات تمس الولوج إلى
المهنة، وتنظيم الاستغلال، وحماية السائقين مهنياً واجتماعياً.
وقد تُوّج هذا المسار بإصدار الدوريةالوزارية رقم 444، التي أرست قواعد تنظيمية جديدة تتعلق بعقود الاستغلال، وضبط
المستفيدين، ومحاربة السمسرة، وتوحيد مساطر التدبير.
2- مكتب الدراسات وإشكالية الشفافية
في سياق موازٍ، أوكلت وزارة الداخلية
إلى مكتب دراسات متخصص إنجاز بحث ميداني شامل حول منظومة سيارات الأجرة، اعتمد
مقاربة تشاركية شملت لقاءات جهوية مع المهنيين، وأبحاثاً ميدانية مع السائقين
والمرتفقين. غير أن نتائج هذه الدراسة لم تُنشر إلى حدود الساعة، ما يطرح تساؤلات
مشروعة حول شفافية التشخيص وربط الإصلاح العمومي بإشراك فعلي للرأي العام.
رابعاً: التطبيقات الرقمية بين الفرصة والإشكال
1- الرقمنة كرافعة محتملة للتطوير
تمثل التطبيقات الرقمية فرصة حقيقية
لتحديث قطاع سيارات الأجرة، من خلال تحسين جودة الخدمة، تقليص زمن الانتظار، تعزيز
الشفافية، وضمان تتبع الرحلات وحماية حقوق الزبون والسائق.
2- غياب إطار قانوني منظم للتطبيقات
غير أن إدماج هذه التطبيقات يصطدم
بغياب إطار قانوني وتنظيمي واضح يؤطر عملها، ويحدد مسؤولياتها، ويضمن احترام
القوانين الوطنية، خاصة في ما يتعلق بحماية المعطيات الشخصية والمنافسة العادلة.
3- تخوفات مهنية مشروعة
تعكس تخوفات مهنيي سيارات الأجرة
رفضاً للفوضى الرقمية أكثر من كونها رفضاً للتكنولوجيا، وهو ما يستدعي مقاربة
تشاركية تدمج المهنيين في مسار التحول الرقمي ضمن إطار قانوني منظم.
خامساً: آفاق تطوير قطاع سيارات الأجرة بالمغرب
1- بلورة رؤية إصلاحية شاملة
يقتضي تطوير قطاع سيارات الأجرة صياغة
رؤية وطنية واضحة، تقوم على التحديث، والعدالة المهنية، وجودة الخدمة، وتضع السائق
في قلب الإصلاح باعتباره فاعلاً أساسياً في المنظومة.
2- إعادة الهيكلة والتنظيم
تتطلب إعادة الهيكلة تقوية الإطار
التنظيمي، توحيد التمثيلية المهنية، واعتماد معايير واضحة للتدبير، والتكوين،
والمراقبة.
3- إدماج منظم للتكنولوجيا
يجب أن يتم إدماج التطبيقات الرقمية
في إطار قانوني شفاف، يضمن حماية المعطيات، ويحدد المسؤوليات، ويحقق التوازن بين
الابتكار وحماية النسيج المهني الوطني.
خاتمة
يقف قطاع سيارات الأجرة بالمغرب
اليوم عند مفترق طرق حاسم، بين الاستمرار في منطق التدبير التقليدي القائم على
نصوص متقادمة ومقاربات جزئية، وبين الانخراط في مسار إصلاحي حقيقي يقوم على الوضوح
القانوني، والحكامة الجيدة، والرقمنة المسؤولة.
إن إصلاح هذا القطاع لا يهدف فقط إلى تحسين صورته، بل إلى بناء خدمة نقل عمومي لائقة، عادلة، ومنسجمة مع التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، بما يحقق مصلحة المواطن ويحفظ كرامة المهني، ويواكب متطلبات مغرب اليوم.
⚖️ الوثائق المرجعية المعتمدة
حرصاً على دقة المعلومة القانونية، واستناداً إلى النصوص الرسمية المنظمة لقطاع سيارات الأجرة، نضع رهن إشارة القارئ الوثائق المرجعية التي تم الاعتماد عليها في هذا التحليل:
-
الظهير الشريف رقم 1.63.260 المتعلق بالنقل بواسطة السيارات عبر الطرق
↳ الاطلاع أو التحميل (PDF) -
الدورية الوزارية رقم 444 المتعلقة بتنظيم استغلال رخص سيارات الأجرة
↳ الاطلاع أو التحميل (PDF) -
القرار العاملي رقم 2806 بتاريخ 15 نونبر 2022 المتعلق بتنظيم خدمة النقل بواسطة سيارات الأجرة بمدينة مراكش
↳ الاطلاع أو التحميل (PDF)
مخرجات الحوار القطاعي معالخماسية النقابية -محضر اتفاق بين وزارة الداخلية والخماسية النقابية-:
↳ الاطلاع أو التحميل (PDF)

تعليقات
إرسال تعليق