لم تعد كاميرات المراقبة مجرد وسيلة تقنية لحماية باب أو محل أو مؤسسة. فالكاميرا التي تلتقط صور الأشخاص وتتيح مشاهدتها أو تسجيلها قد تدخل في نطاق معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، لأن الصورة يمكن أن تكشف هوية الشخص أو تسمح بالتعرف عليه.
وهذا هو المنطلق الذي اعتمدته اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في المداولة رقم 350-2013 المتعلقة بالشروط اللازمة لوضع نظام للمراقبة بالكاميرات في أماكن العمل والأماكن الخاصة المشتركة. فقد اعتبرت المداولة أن الصور التي قد تكشف هوية الأفراد تعد معطيات شخصية، وأن استعمال أنظمة المراقبة بالكاميرات يخضع، تبعًا لذلك، لقواعد حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
السؤال لا ينتهي عند معرفة أن الصورة معطى شخصي. فالمسألة الأساسية هي: متى تكون المراقبة بالكاميرات مشروعة؟ وما الغاية التي تبررها؟ وأين يمكن وضع الكاميرا؟ ومن يمكنه الوصول إلى التسجيلات؟ وكم من الوقت يمكن الاحتفاظ بها؟ وما حقوق الشخص الذي تظهر صورته؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر اليوم، لأن CNDP أعادت منذ سنة 2025 فتح النقاش حول المراقبة بالكاميرات، وأطلقت جلسات استماع مع مؤسسات وهيئات مهنية وخبراء بهدف إعداد مداولة شاملة حول الموضوع. وهذا يعني أن دراسة الإطار الحالي يجب أن تراعي في الوقت نفسه القواعد القائمة ومسار تطويرها وتحيينها.
في هذا المقال، نبدأ بالقواعد العامة، ثم ننتقل في المقالات اللاحقة إلى تطبيقها على أماكن العمل، والسكن والعمارات، ثم بعض القطاعات الحساسة.
خريطة المقال
- لماذا تخضع كاميرات المراقبة لقانون حماية المعطيات؟
- ما الغاية المشروعة من وضع كاميرات المراقبة؟
- أين يمكن وضع الكاميرات؟
- أين لا يجوز توجيه الكاميرات؟
- هل يجوز استخدام الكاميرات لمراقبة العاملين؟
- هل يجب إعلام الأشخاص بوجود كاميرات المراقبة؟
- كم مدة الاحتفاظ بالتسجيلات؟
- هل وضع كاميرات المراقبة يحتاج إلى تصريح أم إلى إذن؟
- من هو مسؤول المعالجة في نظام كاميرات المراقبة؟
- من يستطيع الوصول إلى تسجيلات الكاميرات؟
- كيف يجب حماية تسجيلات كاميرات المراقبة؟
- هل للشخص الذي تظهر صورته في التسجيل حقوق؟
- ماذا عن المسار الجديد الذي أطلقته CNDP؟
- مثال عملي: متى تكون الكاميرا للحماية ومتى تتحول إلى مراقبة غير متناسبة؟
- ماذا عن طلب الاطلاع على تسجيلات الكاميرا؟
- هل يمكن استعمال تسجيلات الكاميرات لأي غرض آخر؟
- ما الذي ينبغي أن ينتبه إليه الشخص عند وجود كاميرات للمراقبة؟
- وما الذي ينبغي أن يفعله مسؤول المعالجة؟
- القاعدة العامة في جملة واحدة
- 📚 أين يندرج هذا المقال ضمن سلسلة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي؟
- خلاصة: كاميرات المراقبة ليست خارج قانون حماية المعطيات
1. لماذا تخضع كاميرات المراقبة لقواعد حماية المعطيات؟
قد تبدو كاميرا المراقبة في ظاهرها مجرد وسيلة تقنية لحماية الأشخاص أو الممتلكات، غير أن المسألة تختلف قانونيًا عندما تكون الكاميرا قادرة على جمع الصور ومشاهدتها أو تسجيلها بطريقة تسمح بالتعرف على الأشخاص.
وهذا هو المنطلق الذي اعتمدته CNDP في المداولة رقم 350-2013، إذ اعتبرت أن الصور التي يمكن أن تكشف هوية الأفراد تشكل معطيات ذات طابع شخصي، وأن معالجتها تخضع لمقتضيات قانون حماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وبالتالي، فإن نظام المراقبة بالكاميرات يمكن أن يدخل في نطاق معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي عندما تكون الصور الملتقطة تسمح بتحديد الأشخاص أو التعرف عليهم.
وهنا تبدأ مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها بمجرد القول إن الهدف هو «الأمن»:
- ما الغاية المحددة من وضع الكاميرات؟
- أين يمكن تثبيتها؟
- هل تمتد زاوية التصوير إلى أماكن تمس الحياة الخاصة؟
- هل يتم إعلام الأشخاص بوجود المراقبة؟
- كم من الوقت يمكن الاحتفاظ بالتسجيلات؟
- من يمكنه الاطلاع عليها؟
- كيف تتم حمايتها؟
- وما هي حقوق الشخص الذي تظهر صورته في التسجيل؟
لذلك، فإن مشروعية الكاميرا لا تتوقف على وجودها في حد ذاتها، وإنما ترتبط بالغاية منها، وبكيفية استعمالها، وبمكان وضعها، وبالقواعد التي تحكم التسجيلات الناتجة عنها.
2. ما الغاية المشروعة من وضع كاميرات المراقبة؟
تحدد مداولة 350-2013 الغاية الأساسية من وضع نظام المراقبة بالكاميرات في ضمان حماية الممتلكات والأشخاص.
وهذه النقطة أساسية؛ لأن الكاميرا ليست وسيلة مفتوحة لمراقبة الأشخاص كيفما اتفق، وإنما يجب أن ترتبط بالغرض الذي يبرر استخدامها.
فإذا كان الهدف هو حماية مدخل مؤسسة أو منع الاعتداء على الممتلكات، فإن استعمال الكاميرا ينبغي أن يظل مرتبطًا بهذه الغاية، ولا يتحول تلقائيًا إلى وسيلة لمراقبة سلوك الأشخاص أو تتبع تحركاتهم خارج ما تقتضيه الحماية.
وهنا يظهر مرة أخرى المبدأ الذي سبق أن تناولناه في المحور الثاني: المعالجة يجب أن ترتبط بالغاية التي جُمعت المعطيات من أجلها، وأن تكون المعطيات المستعملة ملائمة وذات صلة وغير مفرطة بالنسبة إلى هذه الغاية.
وبذلك لا يكفي أن يقال: «وضعنا الكاميرا من أجل الأمن»، بل يجب أن يكون اختيار مكانها واتجاهها وطريقة استعمال التسجيلات متناسبًا مع الغرض الأمني المعلن.
3. أين يمكن وضع كاميرات المراقبة؟
لا تضع مداولة 350-2013 قائمة مغلقة بكل الأماكن التي يمكن أن توضع فيها الكاميرات، وإنما تقرر قاعدة عامة مفادها أن الكاميرات يمكن تثبيتها في الأماكن التي تسمح بحماية الممتلكات أو الأشخاص، شريطة ألا يكون المكان من شأنه المساس بالحياة الخاصة.
وتذكر المداولة، على سبيل المثال، إمكانية وضع الكاميرات في:
- مداخل ومخارج البنايات؛
- الممرات؛
- مخازن السلع؛
- المرائب ومواقف السيارات؛
- أمام الخزانات الحديدية الآمنة؛
- مداخل القاعات التقنية وداخلها.
وهذه الأمثلة مهمة لأنها توضح الفكرة: المكان الذي تكون فيه المراقبة مرتبطة بصورة مباشرة بحماية الأشخاص أو الممتلكات يختلف عن المكان الذي تكون فيه المراقبة ماسّة بالحياة الخاصة.
4. أين لا يجوز توجيه الكاميرات؟
في المقابل، تضع المداولة حدودًا واضحة لاستعمال الكاميرات، وتنص على عدم استخدامها لمراقبة العاملين، أو في أماكن العبادة، أو الأماكن التي يمارس فيها النشاط النقابي، أو المراحيض، أو قاعات الاجتماعات، أو أماكن الاستراحة.
والقاعدة التي ينبغي فهمها هنا أوسع من مجرد حفظ قائمة بالأماكن الممنوعة؛ فالمعيار الأساسي هو عدم تحويل وسيلة الحماية إلى وسيلة تمس الحياة الخاصة للأشخاص.
ولهذا فإن توجيه الكاميرا لا ينبغي أن ينظر إليه بمعزل عن زاوية التصوير ونطاقها. فقد يكون تركيب الكاميرا في مكان مشروع من حيث الأصل، لكن اتجاهها أو مجال تصويرها قد يؤدي إلى التقاط أماكن أو أشخاص لا تقتضي الغاية الأمنية تصويرهم.
وهذه نقطة سنعود إليها بالتفصيل في المقالات اللاحقة الخاصة بأماكن العمل والعمارات والسكن.
5. هل يجوز استخدام الكاميرات لمراقبة العاملين؟
هنا يجب أن نكون دقيقين في التعبير.
مداولة 350-2013 تنص صراحة على ألا تستعمل الكاميرات لمراقبة العاملين، وتورد ذلك ضمن الأماكن أو الاستخدامات التي لا ينبغي أن تمتد إليها المراقبة، فالعبرة في المداولة بطبيعة الاستخدام والغاية من المراقبة.
ولا يعني ذلك أن كل ظهور للعامل في صورة ملتقطة بكاميرا يصبح ممنوعًا؛ فالمداولة تتعلق باستخدام نظام المراقبة لمراقبة العاملين، بينما قد تظهر صورة العامل بصورة عرضية في كاميرا موضوعة في مدخل أو ممر وفق الشروط المقررة للمراقبة.
فمثلًا، قد تمر صورة عامل عبر كاميرا موضوعة عند مدخل مؤسسة أو في ممر بهدف حماية الأشخاص والممتلكات. وهذا يختلف عن وضع الكاميرا بقصد مراقبة العامل نفسه أو تتبع أدائه وحركاته.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين:
كاميرا تلتقط العامل عرضًا بحكم وجودها في
مكان مشروع للمراقبة،
وبين:
كاميرا وضعت أو استعملت بهدف مراقبة العاملين.
وهذا التمييز سيكون محور المقال الثامن من السلسلة.
6. هل يجب إعلام الأشخاص بوجود كاميرات المراقبة؟
نعم.
تلزم مداولة 350-2013 مسؤول المعالجة بإعلام الأشخاص المعنيين بواسطة ملصق أو رمز توضيحي (pictogramme) يوضع عند مدخل المؤسسات الخاضعة للمراقبة. ويجب أن يكون هذا الإعلام واضحًا ومرئيًا.
ويجب أن يتضمن الملصق، بحسب المداولة، معلومات من بينها:
- مسؤول المعالجة؛
- الإشارة إلى أن المؤسسة خاضعة للمراقبة بالكاميرات؛
- غاية النظام، وهي حماية الممتلكات والأشخاص؛
- بيانات الاتصال الخاصة بالجهة التي يمكن ممارسة حقوق الولوج والتصحيح والتعرض أمامها؛
- رقم وصل التصريح المودع لدى CNDP.
وهذا الإعلام ليس مجرد إجراء شكلي؛ فهو يترجم عمليًا حق الشخص في معرفة أنه يوجد نظام يعالج صورًا يمكن أن تتعلق به، وهو ما ينسجم مع القواعد العامة التي تناولناها في المقال السابق حول حقوق الشخص المعني.
7. كم مدة الاحتفاظ بالتسجيلات؟
تحدد مداولة 350-2013 مدة الاحتفاظ بالصور في ثلاثة أشهر كحد أقصى.
وهذه المدة مهمة لأنها تمنع تحول نظام المراقبة إلى أرشيف مفتوح المدة لحركة الأشخاص.
وبانتهاء هذه المدة، لا يكون الاحتفاظ بالتسجيلات مبررًا لمجرد استمرار وجود نظام المراقبة، بل ينبغي أن تتم إزالتها وفق قواعد النظام المعمول به، ما لم يوجد أساس قانوني يبرر الاحتفاظ بها في حالة معينة.
وهنا ينبغي التمييز بين مدة الاحتفاظ المحددة في المداولة بالنسبة إلى الأنظمة التي تدخل في نطاقها، وبين الحالات التي تخضع لإطار قانوني أو تنظيمي خاص.
8. هل وضع كاميرات المراقبة يحتاج إلى تصريح أم إلى إذن؟
لا يخضع نظام المراقبة بالكاميرات في جميع الحالات للإجراء نفسه أمام اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. ولذلك يجب أولًا تحديد ما إذا كان النظام يدخل ضمن نطاق المداولة رقم 350-2013 أم يخرج عنه.
أ. الأنظمة الداخلة في نطاق المداولة 350-2013
بالنسبة إلى الحالات التي تدخل في نطاق المداولة رقم 350-2013، تعتمد CNDP نظام التصريح المسبق وفقًا لقرار، ويتم ذلك بواسطة نموذج التصريح المحدد لهذا النوع من المعالجة.
وتدرج CNDP نظام المراقبة بالكاميرات ضمن هذه الحالات، مع طلب وثائق من بينها نسخة من الملصق أو الرمز الذي يُعلم بوجود نظام المراقبة، ووثيقة تثبت صلاحية التوقيع، وعقد المناولة الذي يتضمن بنود السرية عند الاقتضاء.
ب. الأنظمة الخارجة عن نطاق المداولة
أما الحالات التي تخرج عن نطاق المداولة رقم 350-2013، فتخضع، بحسب طبيعة المعالجة والإطار القانوني المنطبق عليها، لنظام طلب الإذن المسبق.
ولهذا، فإن السؤال الأدق ليس:
«هل كاميرات المراقبة تحتاج إلى تصريح أم إلى إذن؟»
وإنما:
«ما هو الإجراء الواجب اتباعه بالنسبة إلى نظام المراقبة بالكاميرات المعني، وفي أي إطار قانوني يندرج؟»
وهذا التفريق مهم؛ لأن التصريح والإذن المسبق نظامان مختلفان، ولا ينبغي استعمال المصطلحين وكأنهما يعنيان الإجراء نفسه.
وتؤكد CNDP هذا التمييز أيضًا من خلال مداولاتها الحديثة؛ فقد خصصت المداولة D-942-2025 نموذجًا لطلب الإذن المسبق بوضع نظام للمراقبة بالكاميرات في المؤسسات الصحية.
9. من هو مسؤول المعالجة في نظام كاميرات المراقبة؟
وجود الكاميرات لا يجعل الشركة التي صنعتها، أو التقني الذي ركبها، مسؤولًا تلقائيًا عن المعالجة.
واللأصل أن مسؤول المعالجة هو الجهة التي تحدد أغراض المعالجة ووسائلها، بحسب طبيعة الحالة والأدوار الفعلية للمتدخلين.
فقد يكون مسؤول المعالجة:
- شركة تضع كاميرات داخل مقرها؛
- إدارة أو مؤسسة عمومية؛
- مؤسسة تعليمية؛
- إدارة عمارة أو جهة مكلفة بتدبير الأجزاء المشتركة، بحسب الحالة؛
- أو جهة أخرى تقرر وضع النظام وتشرف على استعمال التسجيلات.
أما شركة تركيب الكاميرات أو الجهة التي تتولى صيانة النظام، فلا تصبح بمجرد ذلك مسؤولة عن المعالجة بالمعنى نفسه؛ إذ يجب النظر إلى الدور الفعلي لكل متدخل وطبيعة العلاقة التي تربطه بمسؤول المعالجة.
وهذه النقطة مهمة لأن تحديد المسؤول هو الذي يسمح للشخص المعني بمعرفة إلى من يوجه طلباته المتعلقة بحقوقه.
10. من يستطيع الوصول إلى تسجيلات الكاميرات؟
تسجيلات المراقبة ليست تسجيلات متاحة لكل العاملين أو لكل الأشخاص الموجودين في المؤسسة.
فالاطلاع عليها يجب أن يكون مرتبطًا بالأشخاص المخولين بذلك وبالغاية التي أنشئ من أجلها النظام.
ويتعين على مسؤول المعالجة أن يحدد الأشخاص الذين يمكنهم الوصول إلى الصور، وأن يضمن عدم إتاحتها لأشخاص ليست لهم صلاحية الاطلاع عليها.
وهنا تظهر أهمية مبدأ السرية وأمن المعطيات الذي سبق أن تناولناه في المقالات السابقة؛ فتسجيل الكاميرا لا يفقد طابعه الشخصي بمجرد تخزينه، بل تظل حمايته قائمة طوال فترة الاحتفاظ به.
كما ينبغي ألا تتحول التسجيلات إلى وسيلة لاستخدام الصور في أغراض أخرى لا علاقة لها بالغاية التي بررت وضع نظام المراقبة.
11. كيف يجب حماية تسجيلات كاميرات المراقبة؟
لا تكفي حماية الكاميرات من العبث المادي؛ فالتسجيلات نفسها تخضع لواجبات الأمن والسرية. وتلزم مداولة رقم 350-2013 مسؤول المعالجة باتخاذ الاحتياطات اللازمة للحفاظ على أمن الصور وسريتها، ومنع تدميرها أو تغييرها أو إتلافها، وكذلك منع اطلاع أشخاص غير مرخص لهم عليها، وذلك في إطار مقتضيات المادة 23 من القانون 09.08.
وعمليًا، تقتضي حماية التسجيلات الانتباه، بحسب طبيعة النظام والمخاطر المرتبطة به، إلى أمور من بينها:
- الولوج غير المصرح به إلى التسجيلات؛
- نسخ التسجيلات أو استخراجها دون مبرر أو ترخيص؛
- تغيير التسجيلات أو إتلافها بصورة غير مشروعة؛
- تسريب التسجيلات أو تمكين الغير منها دون أساس قانوني؛
- استعمال التسجيلات من طرف أشخاص غير مخولين بذلك.
ولهذا ينبغي أن تكون التدابير الأمنية متناسبة مع طبيعة نظام المراقبة، وحجم التسجيلات، وطبيعة المعطيات التي يتضمنها، والمخاطر المرتبطة بإمكانية الولوج إليها أو استعمالها بصورة غير مشروعة.
فالخطر لا يكمن فقط في أن تلتقط الكاميرا صورة لشخص، وإنما أيضًا في ما يمكن أن يحدث للصورة بعد التقاطها: من يخزنها؟ ومن يستطيع مشاهدتها؟ وهل يمكن نسخها أو استخراجها؟ ولأي غرض يمكن استعمالها؟
ومن هنا، فإن حماية التسجيلات ليست مسألة تقنية منفصلة عن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، بل تشكل جزءًا من متطلبات أمن المعالجة واحترام الغرض الذي أنشئ من أجله نظام المراقبة.
12. هل للشخص الذي تظهر صورته في التسجيل حقوق؟
نعم.
كون الشخص قد ظهر أمام كاميرا لا يعني أنه فقد حقوقه تجاه صورته ومعطياته.
فالشخص المعني يحتفظ، وفق الشروط والحدود التي يحددها القانون، بالحقوق التي سبق أن تناولناها في المحور الثاني، ومنها:
الحق في الإخبار، والحق في الولوج، والحق في التصحيح، والحق في التعرض.
وفي مجال المراقبة بالكاميرات، تأخذ هذه الحقوق صورة عملية واضحة.
فالشخص قد يرغب مثلًا في معرفة:
- من المسؤول عن نظام المراقبة؟
- ما الغرض من استعمال الكاميرات؟
- ما إذا كانت صورته تخضع للمعالجة؟
- ما القواعد المطبقة على التسجيلات؟
- وكيف يمكنه ممارسة حقوقه؟
وهذا يفسر لماذا لا يمكن النظر إلى كاميرات المراقبة باعتبارها علاقة تقنية بين الكاميرا ومسؤول المعالجة فقط؛ فالشخص الذي تلتقط صورته يظل طرفًا له حقوق يقرها القانون.
13. ماذا عن المسار الجديد الذي أطلقته CNDP؟
هنا ينبغي أن نميز بين القواعد التي نستند إليها حاليًا وبين مسار إعادة النظر في الإطار التنظيمي.
فـCNDP أعلنت في سنة 2025 إطلاق جلسات استماع واسعة حول حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والمراقبة بالكاميرات، بهدف إعداد مداولة شاملة تأخذ بعين الاعتبار التطورات التقنية والقانونية والعملية التي عرفها هذا المجال.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن انتشار تقنيات المراقبة لم يعد يقتصر على الكاميرات التقليدية، بل أصبح يرتبط بأنظمة أكثر تطورًا في التسجيل والتحليل والتعرف والمعالجة الآلية للصور.
لذلك، فإن مداولة 350-2013 تشكل أساسًا مهمًا لفهم القواعد التي نعتمد عليها في هذا المقال، لكن لا ينبغي تقديمها باعتبارها نهاية النقاش التنظيمي حول المراقبة بالكاميرات.
وهذا بالضبط ما يجعل متابعة مداولات CNDP الجديدة أمرًا ضروريًا في هذه السلسلة.
14. مثال عملي: متى تكون الكاميرا للحماية ومتى تتحول إلى مراقبة غير متناسبة؟
لنفترض أن مؤسسة وضعت كاميرا عند مدخلها بهدف حماية الأشخاص والممتلكات. من حيث المبدأ، فإن وجود الكاميرا في هذا الموضع يمكن أن يرتبط مباشرة بالغاية التي تبرر نظام المراقبة.
لكن الصورة تتغير إذا جرى توجيه الكاميرا بطريقة تلتقط، إلى جانب المدخل، أماكن لا علاقة لها بهذه الغاية، أو إذا استُعملت التسجيلات لمراقبة سلوك العاملين وتتبع تحركاتهم، أو إذا تم الاحتفاظ بها لمدة تتجاوز المدة المقررة دون أساس يبرر ذلك.
وهنا تظهر أهمية الضرورة والتناسب.
فالسؤال ليس فقط:
هل توجد غاية مشروعة لوضع الكاميرا؟
بل أيضًا:
هل طريقة استعمال الكاميرا ضرورية لتحقيق هذه الغاية؟ وهل تظل المراقبة في حدود ما يلزم لتحقيقها؟
فإذا كان الهدف حماية مدخل مؤسسة، فقد يكون تصوير المدخل أمرًا مفهومًا، بينما قد يكون توجيه العدسة إلى مكتب العاملين أو مكان استراحتهم أمرًا مختلفًا يحتاج إلى مبرر قانوني وعملي أقوى.
وبالمثل، فإن وجود التسجيل لا يعني أن استعماله يصبح مفتوحًا لكل الأغراض. فإذا جُمعت الصور من أجل حماية الأشخاص والممتلكات، فلا ينبغي أن تتحول تلقائيًا إلى أداة عامة لتتبع الأشخاص أو استعمال صورهم في أغراض أخرى لا تتفق مع الغاية التي بررت المعالجة.
وهذا المثال يوضح قاعدة أساسية في حماية المعطيات:
مشروعية الغاية لا تجعل كل وسيلة لتحقيقها مشروعة تلقائيًا.
فالغاية، والمكان، وزاوية التصوير، وطريقة استعمال التسجيلات، ومدة الاحتفاظ بها، كلها عناصر ينبغي النظر إليها مجتمعة.
15. ماذا عن طلب الاطلاع على تسجيلات الكاميرا؟
يظل للشخص المعني، وفق الشروط والحدود التي يقررها القانون، حق الولوج إلى المعطيات ذات الطابع الشخصي المتعلقة به. غير أن ممارسة هذا الحق في مجال كاميرات المراقبة تطرح خصوصية عملية؛ فقد يحتوي التسجيل الواحد على صور عدة أشخاص، وقد يؤدي تسليم التسجيل كما هو إلى الكشف عن معطيات تتعلق بأشخاص آخرين.
لذلك لا ينبغي اختزال حق الولوج في مجرد طلب من قبيل: «أعطني كل التسجيلات التي تظهر فيها صورتي»، بل يتعين التعامل مع الطلب وفق القواعد القانونية المنظمة لحق الولوج، مع مراعاة هوية صاحب الطلب، وطبيعة المعطيات الموجودة في التسجيل، وحقوق الأشخاص الآخرين، والقيود القانونية التي قد تنطبق على الحالة.
ويعني ذلك أن وجود صورة الشخص ضمن تسجيل للمراقبة لا يجعل تسليم التسجيل بأكمله أمرًا تلقائيًا؛ إذ ينبغي النظر في نطاق المعطيات التي يحق للشخص الولوج إليها، وما إذا كان تنفيذ الطلب سيؤدي إلى الكشف عن معطيات تخص أشخاصًا آخرين، وما تسمح به القواعد القانونية في الحالة المعنية.
وهذه النقطة تعيدنا مباشرة إلى المقال السابق حول حقوق الشخص تجاه معطياته ذات الطابع الشخصي؛ فحق الولوج حق مقرر قانونًا، لكن ممارسته تتم وفق الشروط والحدود التي حددها القانون، ولا تعني بالضرورة الحصول غير المشروط على كل التسجيلات التي يظهر فيها الشخص.
16. هل يمكن استعمال تسجيلات الكاميرات لأي غرض آخر؟
ليس بالضرورة.
فمن أهم القواعد التي تحكم معالجة المعطيات أن تجمع وتستعمل لتحقيق غايات محددة ومشروعة، وألا يعاد استعمالها بطريقة تتعارض مع الغاية التي جمعت من أجلها.
ولهذا، فإن التسجيل الذي أنشئ لحماية الأشخاص والممتلكات لا ينبغي اعتباره مادة متاحة للاستعمال كيفما اتفق.
وقد تكون هناك حالات يسمح فيها القانون باستعمال التسجيل أو إيصاله إلى جهة أخرى، بحسب طبيعة الحالة والأساس القانوني الذي يحكمها، لكن ذلك لا يعني أن مسؤول المعالجة يستطيع التصرف في التسجيلات بحرية.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
وجود التسجيل من جهة، ومشروعية استعماله أو
إيصاله إلى الغير من جهة أخرى.
17. ما الذي ينبغي أن ينتبه إليه الشخص عند وجود كاميرات للمراقبة؟
يمكن تلخيص أهم الأسئلة التي يستطيع الشخص طرحها في مجموعة بسيطة:
- أولًا: هل يوجد إعلام واضح بوجود نظام للمراقبة؟
- ثانيًا: من هو مسؤول المعالجة؟
- ثالثًا: ما الغاية من استعمال الكاميرات؟
- رابعًا: هل مكان الكاميرا واتجاهها يتناسبان مع هذه الغاية؟
- خامسًا: كم من الوقت يتم الاحتفاظ بالتسجيلات؟
- سادسًا: من يمكنه الوصول إليها؟
- سابعًا: كيف يمكن ممارسة حقوق الولوج أو التصحيح أو التعرض، بحسب الحالة؟
هذه الأسئلة لا تعني أن الشخص يستطيع إيقاف أي كاميرا لمجرد أنه لا يرغب في وجودها، كما لا تعني أن وجود الكاميرا غير مشروع لمجرد أنها تلتقط صورته.
لكنها تمنحه وسيلة لفهم كيف تتم معالجة صورته وعلى أي أساس، وممارسة الحقوق التي يقررها له القانون.
18. وما الذي ينبغي أن يفعله مسؤول المعالجة؟
في المقابل، لا تنتهي مسؤولية الجهة التي وضعت الكاميرات بمجرد تركيب الأجهزة.
بل ينبغي أن يكون لديها تصور واضح عن:
- الغاية من النظام؛
- نطاق المراقبة؛
- أماكن الكاميرات واتجاهاتها؛
- الأشخاص المخولين بالولوج إلى التسجيلات؛
- مدة الاحتفاظ؛
- تدابير الأمن والحماية؛
- كيفية إعلام الأشخاص؛
- كيفية الاستجابة لطلبات ممارسة الحقوق؛
- والإجراءات المطلوبة أمام CNDP، بحسب الإطار القانوني الذي تنتمي إليه المعالجة.
وبعبارة أخرى، الكاميرا ليست مجرد جهاز يتم شراؤه وتركيبه، وإنما نظام لمعالجة معطيات يترتب عليه عدد من الالتزامات القانونية والتنظيمية.
19. القاعدة العامة في جملة واحدة
يمكن اختصار القاعدة العامة في أن المراقبة بالكاميرات لا تُقيَّم بمجرد وجود الكاميرا، وإنما بغاية استخدامها، ومكان وضعها، ونطاق تصويرها، وطريقة استعمال التسجيلات، ومدة الاحتفاظ بها، والضمانات المقررة لحماية الأشخاص والمعطيات المتعلقة بهم.
ويمكن استعمال الكاميرات لتحقيق غاية مشروعة، ولا سيما حماية الأشخاص والممتلكات، لكن استعمالها يجب أن يظل مرتبطًا بهذه الغاية، ومتناسبًا معها، ومحترمًا لحقوق الأشخاص، وأمن التسجيلات، والحدود التي يضعها القانون.
وهذه القاعدة تساعد على فهم سبب اختلاف التقييم القانوني من حالة إلى أخرى؛ فالكاميرا الموجودة عند مدخل متجر، والكاميرا الموجودة في مؤسسة تعليمية، والكاميرا الموجودة في عمارة سكنية، والكاميرا المستخدمة داخل مؤسسة صحية، قد تبدو جميعها من الناحية التقنية نظامًا واحدًا، لكنها ليست بالضرورة متطابقة من الناحية القانونية، لاختلاف الغاية والسياق وطبيعة الأشخاص المعنيين ونطاق المعالجة والإطار القانوني المنطبق.
ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من القواعد العامة إلى دراسة الحالات القطاعية والخاصة التي تتناولها المقالات التالية في هذه السلسلة.
📚 أين يندرج هذا المقال ضمن سلسلة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي؟
يأتي هذا المقال ضمن المحور الثالث: الكاميرات والمراقبة، وهو المحور الذي ينتقل بالسلسلة من المبادئ العامة وحقوق الشخص المعني إلى تطبيق هذه القواعد على أحد أكثر مجالات معالجة المعطيات الشخصية انتشارًا في الحياة اليومية.
وقد سبق أن تناولنا في المحور الثاني:
- الغاية والضرورة والتناسب في معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي؛
- الرضى وأسس المعالجة؛
- حقوق الشخص تجاه معطياته ذات الطابع الشخصي.
أما هذا المقال فيطبق هذه المبادئ على المراقبة بالكاميرات، تمهيدًا للانتقال إلى الحالات الأكثر خصوصية.
وفي المقال التالي سنطرح سؤالًا أكثر حساسية:
كاميرات المراقبة في أماكن العمل: حماية المؤسسة أم مراقبة العامل؟
فهنا لا يكفي أن تكون المؤسسة بحاجة إلى حماية الأشخاص والممتلكات؛ إذ تظهر مسألة إضافية تتعلق بحدود مراقبة العاملين وخصوصية الحياة المهنية، وهي التي تستحق معالجة مستقلة.
خلاصة: كاميرات المراقبة ليست خارج قانون حماية المعطيات
تخضع المراقبة بالكاميرات، عندما تتعلق صورها بأشخاص يمكن تحديد هويتهم، لمنظومة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وتقوم القواعد العامة التي تناولناها في هذا المقال على مجموعة من العناصر المترابطة:
- غاية مشروعة،
- ثم ضرورة وتناسب في استعمال المراقبة،
- ثم احترام الأماكن والحدود المقررة،
- ثم إعلام الأشخاص،
- ثم تحديد مدة الاحتفاظ بالتسجيلات،
- ثم تأمينها وتقييد الولوج إليها،
- مع ضمان حقوق الأشخاص المعنيين واحترام الإجراءات القانونية المطلوبة بحسب الحالة.
أما مداولة CNDP رقم 350-2013، فتظل مصدرًا مركزيًا لفهم القواعد العامة للمراقبة بالكاميرات في الحالات التي تدخل في نطاقها، مع ضرورة الانتباه إلى التطورات التنظيمية التي تعمل CNDP على إعدادها.
وهذا التطور مهم بصفة خاصة لأن تقنيات المراقبة لم تعد تقتصر على مجرد تسجيل الصور، وإنما أصبحت ترتبط بتقنيات أكثر تطورًا في تحليل الصور والتعرف على الأشخاص وغيرها من أشكال المعالجة.
لذلك، فإن السؤال الصحيح لم يعد:
«هل يسمح القانون بوضع كاميرا؟»
وإنما:
«ما الغاية من الكاميرا؟ وأين توضع؟ وما الذي تلتقطه؟ وكيف تستعمل التسجيلات؟ ومن يصل إليها؟ وكم من الوقت يحتفظ بها؟ وما الإجراء القانوني المطلوب؟»
ومن خلال الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن الانتقال من الحكم العام إلى تقييم كل حالة بحسب طبيعتها.
