القرار العاملي رقم 2806 بمدينة مراكش: قراءة في الإطار التنظيمي وحدود التنزيل
مقدمة
في سياق تنزيل مخرجات الحوار القطاعي حول
إصلاح منظومة سيارات الأجرة، صدر القرار العاملي رقم 2806 بتاريخ 15 نونبر 2022 عنولاية جهة مراكش–آسفي، المتعلق بتنظيم خدمة النقل بواسطة سيارات الأجرة داخل
النفوذ الترابي لعمالة مراكش.
ويأتي هذا القرار في لحظة تنظيمية دقيقة،
تتقاطع فيها محدودية الإطار القانوني المؤسس لقطاع سيارات الأجرة مع التحولات
المهنية والاجتماعية التي يعرفها القطاع، ومع الحاجة المتزايدة إلى الانتقال من
تدبير عرفي غير مضبوط إلى تنظيم إداري أكثر وضوحاً واستقراراً.
ولا يندرج القرار ضمن منطق التشريع، بقدر ما
يُعد أداة تنزيل ترابي لمقتضيات الإطار القانوني العام، وخاصة الظهير الشريف رقم1.63.260 المتعلق بالنقل بواسطة السيارات عبر الطرق، كما تم تعديله، والمدكرة الوزارية رقم 444 التي شكلت مرجعية مركزية لإعادة تنظيم شروط الاستغلال.
أولاً: الإطار العام للقرار
القرار العاملي رقم 2806 هو قرار إداري
تنظيمي صادر عن السلطة العاملية المختصة، يقتصر تطبيقه على عمالة مراكش، ويستمد
مشروعيته من الصلاحيات المخولة للسلطات المحلية في تنظيم خدمات سيارات الأجرة
باعتبارها خدمة عمومية لنقل المسافرين.
وبهذا المعنى، لا يُنشئ القرار نظاماً
قانونياً جديداً، ولا يعدل النصوص التشريعية، بل يُفصّل شروط الاستغلال والتنظيم
والمراقبة داخل نطاق ترابي محدد، في انسجام مع التوجيهات المركزية.
ثانياً: التحولات التنظيمية التي جاء بها القرار
1- من التدبير العرفي إلى التنظيم المؤطر
يُحسب للقرار أنه حاول القطع مع منطق
التدبير العرفي الذي طبع قطاع سيارات الأجرة لعقود، من خلال:
·
ضبط
المفاهيم الأساسية،
·
تحديد
الفاعلين بدقة،
·
وإخضاع
الاستغلال لمساطر مكتوبة ومصادق عليها.
هذا التحول يمثل خطوة مهمة نحو استعادة حد
أدنى من الأمن القانوني داخل القطاع، ووضع أسس تنظيمية أكثر وضوحاً للعلاقة بين
الإدارة والمهنيين.
2- السجل المحلي للولوج إلى الاستغلال: أداة ضبط مركزية
من أقوى ما جاء به القرار إحداث سجل
محلي إقليمي خاص بسائقي سيارات الأجرة الراغبين في الولوج إلى الاستغلال
عن طريق تفويض الاستغلال.
ولا يقتصر دور هذا السجل على التقييد
الإداري، بل يُشكّل:
·
شرطاً
مسبقاً للولوج إلى الاستغلال،
·
وآلية
انتقائية لتنظيم العرض المهني،
·
ووسيلة
لمحاصرة السمسرة وتعدد المستغلين غير المصرّح بهم.
وقد ربط القرار التسجيل في هذا السجل
بمعايير مهنية واجتماعية واضحة، مع ترتيب المترشحين وفق نظام تنقيط، ما يعكس
توجهاً نحو عقلنة التعاقد والحد من العشوائية التي كانت تطبع عملية الاستغلال.
غير أن فعالية هذه الآلية تبقى رهينة بصرامة
التطبيق، وتحديث المعطيات، وربط الإخلال بجزاءات فعلية، حتى لا يتحول السجل إلى
إجراء شكلي يفرغ من مضمونه.
3- الاعتراف بالشخص المعنوي والسائق الأجير
لأول مرة، ينص القرار بشكل صريح على:
·
إمكانية
استغلال سيارات الأجرة من طرف الشخص المعنوي (الشركة)،
·
والتنصيص
على السائق الأجير كفاعل مهني يخضع لمقتضيات مدونة الشغل.
ويُعد هذا التوجه خطوة متقدمة نحو عصرنة
التصور القانوني للقطاع، وإدماج السائق في منظومة الحماية الاجتماعية، وربط
الاستغلال بالالتزامات القانونية والجبائية والاجتماعية.
غير أن هذا التحول يطرح، في المقابل، تحديات
مرتبطة بقدرة الإدارة على المراقبة الفعلية، وضمان عدم تحول بعض الصيغ الجديدة إلى
واجهات قانونية لممارسات قديمة.
4- توحيد العلاقة التعاقدية عبر العقد النموذجي
اعتمد القرار العقد النموذجي كوثيقة وحيدة
لتنظيم العلاقة بين المستفيد من الرخصة والمستغل والسائق، مع اشتراط المصادقة
الإدارية والتسجيل لدى المصالح المختصة.
ويمثل هذا التوجه مكسباً تنظيمياً مهماً،
لأنه:
·
يقلص من
النزاعات،
·
يحد من
العقود غير المتكافئة،
·
ويوفر
مرجعية قانونية واضحة عند الخلاف.
غير أن نجاعة هذا المقتضى تظل مرتبطة بمدى
احترامه فعلياً في الممارسة، وعدم الالتفاف عليه بصيغ موازية غير مصرح بها.
5- الرقمنة بين الضبط والتحفظ
نص القرار على منع أي نشاط يربط بين الزبون
وسائق سيارة الأجرة عبر التطبيقات الرقمية أو وسائل التواصل الحديثة دون ترخيص
مسبق بقرار عاملي.
ويعكس هذا المقتضى حرص الإدارة على ضبط
القطاع ومنع الفوضى الرقمية، غير أنه يكشف في الوقت ذاته عن مقاربة حذرة،
بل متحفظة تجاه الرقمنة، تقوم على المنع أكثر من التأطير.
وفي ظل التسارع التكنولوجي، يظل هذا الخيار
محدود الأفق ما لم يُواكب برؤية تنظيمية واضحة لإدماج التطبيقات بشكل قانوني ومنظم.
ثالثاً: حدود القرار وإكراهات التنزيل
رغم ما يحمله القرار من مكاسب تنظيمية، فإنه
يظل:
·
محصوراً في
نطاق ترابي محلي،
·
خاضعاً
لاختلافات محتملة في الصياغة والتطبيق بين العمالات،
·
ومفتقراً
إلى إطار وطني موحد يضمن انسجام القواعد وتكافؤ الشروط بين المهنيين.
كما أن كثرة المساطر الإدارية، رغم
مشروعيتها التنظيمية، قد تشكل عبئاً إضافياً على فئات من السائقين إذا لم تُواكب
بتبسيط إداري فعلي وحكامة واضحة.
خاتمة
يُمثل القرار العاملي رقم 2806 بمدينة مراكش
خطوة تنظيمية متقدمة مقارنة بما سبقه، ومحاولة جادة لإعادة ضبط منظومة سيارات
الأجرة محلياً عبر أدوات قانونية وإدارية أكثر وضوحاً.
غير أن هذا القرار، في جوهره، يظل مرحلة انتقالية لا إصلاحاً نهائياً، إذ تظل فعاليته مشروطة بجودة التنزيل، وصرامة المراقبة، والأهم ببلورة رؤية وطنية موحدة تُنهي تشتت القرارات وتؤطر التحول الرقمي والاجتماعي للقطاع.
🔗 التوسع في السياق العام
يندرج هذا التحليل للقرار العاملي رقم 2806 ضمن نقاش أوسع حول الإطار القانوني المؤطر لقطاع سيارات الأجرة بالمغرب، والتحولات التي يعرفها بين النصوص المؤسسة القديمة وتحديات الرقمنة والتنظيم الحديث، وهو ما تم تناوله بالتفصيل في المقال التحليلي التالي:
قطاع سيارات الأجرة بالمغرب: بين ظهير 1963 وتحديات الرقمنة (دراسة تحليلية).
⚖️ الوثائق المرجعية المعتمدة
حرصاً على دقة المعلومة القانونية، واستناداً إلى النصوص الرسمية المنظمة لقطاع سيارات الأجرة، نضع رهن إشارة القارئ الوثائق المرجعية التي تم الاعتماد عليها في هذا التحليل:
القرار العاملي رقم 2806 بتاريخ 15 نونبر 2022 المتعلق بتنظيم خدمة النقل بواسطة سيارات الأجرة بمدينة مراكش
↳ الاطلاع أو التحميل (PDF).

تعليقات
إرسال تعليق