ليست الحدود في القانون الدولي مجرد خط فاصل بين دولتين، بل هي تعبير سيادي عن إرادة سياسية مؤطرة بقواعد قانونية ملزمة. فالحدود ليست رسماً جغرافياً فحسب، وإنما هي نتيجة مسار تاريخي طويل تُترجم حلقاته في نصوص رسمية ذات قوة قانونية.
إن العودة
إلى الوثيقة الأصلية، بعيداً عن ضجيج اللحظة السياسية، تمثل المدخل الأكثر اتزاناً
لفهم الإطار القانوني الذي حكم العلاقات بين المملكة المغربية والجمهورية
الجزائرية الديمقراطية الشعبية، خصوصاً فيما يتعلق بالحدود الشرقية للمملكة.
الحدود المغربية الجزائرية:قراءة قانونية في اتفاقيات 1969 بين منطق التاريخ ومقتضيات الدستور
أولاً: الجذور التاريخية ــ من اتفاقية 1845 إلى مرحلة ما بعد الاستقلال
لا يمكن فهم
تطور مسألة الحدود الشرقية دون العودة إلى اتفاقية للا مغنية الموقعة في 18 مارس
1845 بين المغرب وفرنسا، عقب هزيمة الجيش المغربي في معركة إسلي سنة 1844، في سياق
دعم السلطان المولى عبد الرحمن للمقاومة الجزائرية بقيادة الأمير عبد القادر.
نصت اتفاقية
1845 على ترسيم الحدود في الجزء الشمالي الممتد من الساحل المتوسطي (منطقة
السعيدية حالياً) إلى ثنية الساسي، بينما تُرك المجال الصحراوي جنوب فيكيك دون
تحديد دقيق، باعتباره مجالاً قبلياً غير مضبوط بمعايير التخطيط الحدودي الحديث
آنذاك. هذا الترسيم الجزئي خلق منطقة غموض قانوني استُعمل لاحقاً من طرف الإدارة
الاستعمارية الفرنسية لتوسيع نفوذها في الصحراء الشرقية.
وبذلك، فإن
اتفاقية 1845 لم تكن ترسيماً شاملاً ونهائياً للحدود، بل تسوية جزئية في سياق
ميزان قوى مختل. وهو ما جعل ملف الحدود يستمر كموضوع قانوني مفتوح إلى مرحلة ما
بعد الاستقلال، حيث برزت الحاجة إلى تأطير العلاقات الثنائية بمنطق تعاقدي سيادي
جديد.
ثانياً: اتفاقيات 1969 ــ من منطق الإرث الاستعماري إلى التعاقد السيادي
في سياق
إعادة بناء العلاقات بين دولتين مستقلتين، وُقعت سنة 1969 معاهدة الأخوة وحسن
الجوار والتعاون، وصودق عليها بموجب الظهير الشريف رقم 1.69.37، ونُشرت في الجريدة
الرسمية للمملكة المغربية (عدد 2934 مكرر بتاريخ 28 يناير 1969)، كما تلتها
اتفاقيات وملحقات مكملة منشورة في العدد 2945 مكرر بتاريخ 15 أبريل 1969 .
جاءت هذه
الاتفاقيات في سياق إقليمي اتسم بمحاولة تجاوز إرث الحدود الموروثة عن المرحلة
الاستعمارية، وإرساء علاقة ثنائية قائمة على قواعد قانونية واضحة. وقد أكدت
المعاهدة على:
ـ إقامة سلم دائم وصداقة متينة وجوار مثمر،
ـ تدعيم أواصر التضامن بين الشعبين،
ـ احترام السيادة ووحدة التراب،
ـ عدم التدخل في الشؤون الداخلية،
ـ تسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
ومن ثم، فإن
اتفاقيات 1969 لم تُقدَّم كنصوص تقنية معزولة، بل كإطار شامل لإعادة تنظيم العلاقة
الثنائية على أسس سيادية متكافئة.
ثالثاً: القراءة القانونية ــ التزامات ذات طبيعة ملزمة
بالرجوع إلى
مواد المعاهدة، يتبين أنها أرست جملة من الالتزامات القانونية الصريحة:
1- احترام السيادة وعدم التوجيه العدائي
تعهد الطرفان
بعدم الانخراط في أي حلف أو تحالف موجه ضد أحدهما، وهو مقتضى يندرج ضمن قواعد
الأمن الجماعي ومبدأ عدم الإضرار بالطرف المتعاقد.
2- حل النزاعات بالوسائل السلمية
نصت المعاهدة
على عرض مجموع القضايا المعلقة على لجان ثنائية تتكفل بإيجاد الحلول المناسبة في
نطاق العلاقات الثنائية وبالوسائل السلمية، انسجاماً مع مبدأ تسوية النزاعات
سلمياً في القانون الدولي العام.
3- مدة الالتزام واستمراريته
حددت المادة
الثامنة مدة المعاهدة بعشرين سنة ابتداءً من تاريخ دخولها حيز التنفيذ، مع
قابليتها للتجديد التلقائي ما لم يصدر إشعار بخلاف ذلك، وهو ما يكرس استمرارية
الالتزام في غياب إنهاء صريح وفق القواعد المتفق عليها.
نشر هذه
المعاهدات في الجريدة الرسمية منحها قوة الإلزام الداخلي، وأدخلها ضمن المنظومة
القانونية الوطنية، فضلاً عن كونها التزاماً دولياً يخضع لمبدأ احترام العهود.
رابعاً: البعد الدستوري ــ بين سمو الاتفاقيات ووحدة التراب
تكتسي هذه
الاتفاقيات بعداً دستورياً خاصاً، لأنها ترتبط مباشرة بمفهوم السيادة ووحدة التراب
الوطني. فالدستور المغربي يقر بسمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها على
التشريعات الوطنية، في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة.
وعليه، فإن
الاتفاقيات المتعلقة بالحدود لا تُقرأ قراءة سياسية ظرفية، بل تُفهم في إطار هندسة
دستورية دقيقة:
ـ المعاهدة تنظم العلاقة مع دولة أخرى،
ـ الدستور يحدد سقف الالتزام ويحمي الثوابت،
ـ ووحدة التراب الوطني تبقى مبدأً مؤسساً لا يقبل التجزئة.
إن التكامل بين المعاهدة والدستور
يعكس منطق الدولة القانونية التي تؤطر علاقاتها الخارجية بقواعد مكتوبة، لا
باعتبارات ظرفية.
خامساً: التنمية والتكامل كآلية استقرار
لم يقتصر
تنظيم العلاقة الثنائية على البعد السياسي، بل امتد إلى المجال الاقتصادي. فقد
صودق كذلك على اتفاقية التعاون الصناعي بموجب الظهير الشريف رقم 1.68.391
والمنشورة في العدد 2934 مكرر من الجريدة الرسمية .
ويكشف هذا
المعطى أن تصور العلاقة لم يكن أمنياً صرفاً، بل قائماً على فرضية أن التكامل
الاقتصادي يشكل ضمانة إضافية لاستقرار الحدود، وأن المصالح المتبادلة تعزز منطق
التعاون بدل التوتر.
فالحدود، في
فلسفة هذه الاتفاقيات، ليست خطوط فصل جامدة، بل فضاءات تواصل منظم في إطار احترام
السيادة.
سادساً: في استمرارية الإطار الحدودي
وإذا
كانت اتفاقيات 1969 قد أرست الإطار السياسي للعلاقة الثنائية، فإنها لم تكن خاتمة
للملف الحدودي، بل شكل تمهيداً لاتفاقية تحديد الحدود لسنة 1972، التي جاءت لتنتقل
من منطق الإطار السياسي العام إلى منطق التحديد التقني المباشر. وقد أحالت تلك
الاتفاقية بدورها إلى النصوص التاريخية السابقة، في انسجام مع قواعد تفسير
المعاهدات التي تقضي بقراءة النص في سياقه التاريخي والقانوني.
غير أن
تحليل البنية التفصيلية لاتفاقية 1972 من حيث موادها وخرائطها وتاريخ نفاذها يقتضي
معالجة مستقلة، وهو ما سنخصص له مقالاً لاحقاً.
فقرة تحليلية توضيحية: بين الحق التاريخي والوضع
القانوني القائم
ولا يفيد
هذا التحليل، من الناحية القانونية، تقرير حكم قيمي بشأن عدالة المسار التاريخي أو
نفي وجود تصورات مغايرة حول المجال الترابي، بل يقتصر على توصيف الوضع القانوني
القائم في ضوء النصوص المصادق عليها. فالتاريخ قد يُثير نقاشاً حول ظروف ترسيم
أولي تم في سياق اختلال ميزان القوى في القرن التاسع عشر، غير أن القانون الدولي
المعاصر يتعامل أساساً مع الإرادة السيادية المعبَّر عنها في معاهدات أبرمت بين
دول مستقلة.
والتمييز
هنا ضروري بين مستويين مختلفين: مستوى النقاش التاريخي أو السياسي، ومستوى الالتزام
القانوني الدولي الذي تحكمه قواعد استقرار الحدود واستمرارية المعاهدات ومبدأ
احترام العهود. وعليه، فإن أي طرح يتعلق بمراجعة وضع حدودي قائم يظل، من منظور
القانون الدولي، مرتبطاً بإرادة تعاقدية جديدة بين الأطراف المعنية أو بآليات
سلمية متفق عليها، ولا يُستمد من السرديات التاريخية وحدها، مهما كانت وجاهتها.
أما تفصيل الإطار الحدودي اللاحق الذي انتقل
فيه المسار من الإطار السياسي العام إلى التحديد التقني المباشر، فسيكون موضوع
معالجة مستقلة.
خاتمة: الحدود بين النص والتاريخ
إن مسار
الحدود المغربية الشرقية يكشف تداخلاً بين الإرث التاريخي، والاختلالات التي صاحبت
مرحلة القرن التاسع عشر، ومحاولات إعادة التأطير السيادي في مرحلة ما بعد
الاستقلال. فإذا كانت اتفاقية 1845 قد جسدت ترسيماً جزئياً في سياق تاريخي خاص،
فإن اتفاقيات 1969 مثلت محاولة لتأسيس علاقة تعاقدية حديثة قائمة على مبادئ واضحة:
احترام السيادة، وحدة التراب، عدم التدخل، وتسوية النزاعات سلمياً.
فالحدود
في القانون ليست مجرد خطوط مرسومة على الخريطة، بل هي تعاقد إرادات سيادية. وعندما
يُوثَّق هذا التعاقد في الجريدة الرسمية، فإنه يتحول إلى التزام قانوني مؤطر
يتجاوز الظرف السياسي. تبقى النصوص شاهداً، ويبقى احترامها معياراً لجدية الالتزام
الدولي.
غير أن
المسار الحدودي لم يتوقف عند هذا الإطار السياسي العام، بل انتقل لاحقاً إلى مرحلة
التحديد التقني المباشر بموجب اتفاقية 15 يونيو 1972، التي شكلت النص الحاسم في
تعيين خط الحدود ونفاذه القانوني.
وسنخصص المقال المقبل لتحليل
تلك الاتفاقية في بنيتها ومراحل دخولها حيز التنفيذ وآثارها في استقرار الحدود.
⚖️ وثائق مرجعية (PDF)
| الوثيقة المرجعية | نوع الوثيقة | ملاحظات |
| ظهير معاهدة الأخوة وحسن الجوار (1969) | الجريدة الرسمية - عدد 2934 مكرر | التأسيس القانوني للعلاقة الثنائية |
| اتفاقيات الملحقات المكملة لعام 1969 | الجريدة الرسمية - عدد 2945 مكرر | التفاصيل التنظيمية للتعاون والجوار |
| بروتوكول تحديد الحدود (1972) | (سيتم نشره في المقال القادم) | المرجع الدولي المودع بالأمم المتحدة |
.png)