📁 آخر المستجدات القانونية

اتفاقية 1972 بين المغرب والجزائر: الترسيم والنفاذ القانوني للحدود

تمهيد: من الإرث التاريخي إلى التعهد السيادي

إذا كانت اتفاقيات 1969 قد أرست الإطار السياسي للعلاقة الثنائية، فإن اتفاقية 1972 جاءت لتنتقل من منطق المبادئ إلى منطق التحديد الجغرافي الدقيق.

لم تولد الحدود المغربية-الجزائرية سنة 1972 من فراغ، ولم تكن اتفاقية ذلك التاريخ لحظة إنشائية بلا جذور. فالحدود الشرقية للمملكة تشكّلت تاريخياً في سياق معاهدة للا مغنية سنة 1845 وما تلاها من بروتوكولات تنظيمية مطلع القرن العشرين، في ظل وضع استعماري لم يكن يعكس إرادة دولتين مستقلتين. غير أن مرحلة ما بعد الاستقلال فرضت منطقاً مغايراً: منطق الدولة ذات السيادة التي تُعيد تأطير علاقاتها الخارجية عبر تعاقد مكتوب.

في هذا السياق جاءت اتفاقية 15 يونيو 1972، المعنونة بـ:
Convention concerning the State frontier line established between the Kingdom of Morocco and the People's Democratic Republic of Algeria (with maps)
لتعلن انتقال ملف الحدود من مجال الإرث التاريخي إلى نطاق التحديد التعاهدي الصريح بين دولتين كاملتي السيادة.

اتفاقية 15 يونيو 1972 بين المغرب والجزائر
قراءة قانونية في الترسيم، النفاذ، واستقرار الحدود

غلاف تحليلي لاتفاقية 1972 بين المغرب والجزائر حول ترسيم الحدود ونفاذها القانوني، ضمن سلسلة تحليلية دستورية.

أولاً: الطبيعة القانونية للاتفاقية – تحديد لا مجرد إعلان

يُظهر عنوان الاتفاقية ذاته أنها تتعلق بـ “خط حدود دولة”، لا بتعاون حدودي ولا بترتيبات إدارية ظرفية. وهو توصيف قانوني دقيق، لأن مصطلح "State frontier line" يُحيل في فقه القانون الدولي إلى خط سيادي يُحدِّد المجال الإقليمي الذي تُمارس عليه الدولة سلطتها.

وتعزز المادة الأولى هذا المعنى، إذ تنص على أن خط الحدود يتبع الخط المبين في الخرائط المرقمة والمرفقة بالاتفاقية، والتي تشكل جزءاً لا يتجزأ منها . فالخرائط هنا ليست وثائق تفسيرية ثانوية، بل عناصر قانونية ملحقة، تمنح التحديد طابعاً تقنياً دقيقاً بإحداثيات ومعالم جغرافية واضحة.

وتكشف ديباجة الاتفاقية أنها لم تتجاهل النصوص السابقة، بل أحالت صراحة إلى معاهدة للا مغنية لسنة 1845 وبروتوكولي 1901 و1902، بما يفيد أن التحديد الجديد لم يُقدَّم كإنشاء مبتدأ، بل كاستكمال تعاقدي حديث لمسار تاريخي سابق. غير أن هذا الاستكمال تم هذه المرة في إطار سيادي متكافئ بين دولتين مستقلتين.

ثانياً: بين التحديد القانوني والتعليم الميداني

تميّز الاتفاقية بوضوح بين مرحلتين: مرحلة تحديد الخط في النص والخرائط، ومرحلة تعليمه ميدانياً بواسطة لجنة مختلطة. فقد نصت المواد 3 إلى 6 على إحداث لجنة جزائرية-مغربية مشتركة تتولى وضع العلامات على الأرض وفق الخط المحدد في المادة الأولى.

هذا التفريق يعكس التمييز المعروف في القانون الدولي بين "التحديد" (Delimitation) و"التعليم" (Demarcation). فالتحديد يتم بالنصوص والخرائط، وهو الذي يُنشئ الوضع القانوني، أما التعليم فهو إجراء تنفيذي يهدف إلى تجسيد الخط على الأرض. ومن ثم، فإن اكتمال التحديد القانوني لا يتوقف من حيث المبدأ على استكمال التعليم الميداني.

ثالثاً: مسألة النفاذ – من التوقيع إلى تبادل وثائق التصديق

لم تدخل اتفاقية 1972 حيز التنفيذ بمجرد التوقيع عليها في الرباط، بل نصت المادة الثامنة صراحة على أن نفاذها يتحقق بتاريخ تبادل وثائق التصديق. ووفق السجل الرسمي للأمم المتحدة، فإن هذا التبادل تم بتاريخ 14 ماي 1989، وهو التاريخ الذي اكتسبت فيه الاتفاقية قوتها الإلزامية الدولية.

يُظهر هذا المعطى أن الفترة الممتدة بين 1972 و1989 كانت مرحلة استكمال الإجراءات الدستورية الداخلية لدى الطرفين، وأن الأثر القانوني الدولي لم يتحقق إلا بعد تحقق شرط التبادل. وفي منطق القانون الدولي، فإن تاريخ تبادل وثائق التصديق هو الذي يُعتد به باعتباره بداية القوة الإلزامية للمعاهدة، لا تاريخ التوقيع ولا تاريخ التسجيل الأممي.

رابعاً: التسجيل لدى الأمم المتحدة – وظيفة توثيقية لا إنشائية

سُجلت الاتفاقية لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة سنة 2002 تنفيذاً لمقتضيات المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة. غير أن هذا التسجيل لا يُنشئ المعاهدة ولا يُعدّل تاريخ نفاذها، بل يُدرجها ضمن السجل الدولي الرسمي ويجعلها قابلة للاحتجاج أمام أجهزة المنظمة.

وبالتالي، فإن القول بأن التسجيل تم سنة 2002 لا يعني أن الحدود لم تكن قائمة قبل ذلك، لأن الالتزام كان قائماً منذ 14 ماي 1989، وهو التاريخ الذي دخلت فيه الاتفاقية حيز التنفيذ.

خامساً: الاستقرار الحدودي في ضوء القانون الدولي

تندرج اتفاقية 1972 ضمن فئة المعاهدات الحدودية التي تتمتع بخصوصية واضحة في القانون الدولي. فهي لا تنشئ مجرد التزام عابر، بل تثبّت وضعاً إقليمياً دائماً. وقد نصت المادة السابعة على أن أحكام الاتفاقية تنظم نهائياً المسائل الحدودية بين البلدين، وهو تعبير صريح عن إرادة الإغلاق القانوني للنزاع الحدودي.

وفي الفقه الدولي، تحظى المعاهدات الحدودية بحماية خاصة، لأنها تتعلق باستقرار المجال الإقليمي للدول، ولا يجوز إنهاؤها أو تعديلها بإرادة منفردة، بل يتطلب الأمر اتفاقاً جديداً بين الطرفين أو تسوية قضائية برضاهما.

سادساً: بين النقاش التاريخي والالتزام التعاهدي

قد يُثار جدل تاريخي حول ظروف القرن التاسع عشر واختلال موازين القوى في مرحلة معينة، غير أن القانون الدولي المعاصر لا يبني مراكزه القانونية على التقييمات التاريخية المجردة، بل على الإرادة السيادية المعبَّر عنها في معاهدات صحيحة ونافذة.

ومن ثم، فإن اتفاقية 1972 تمثل، في ميزان القانون، تعبيراً تعاقدياً حديثاً عن إرادة دولتين مستقلتين في تحديد حدودهما، وهو مركز قانوني لا يتأثر بخطاب سياسي لاحق أو بتأويل إعلامي ظرفي.

خاتمة: النص كمرجعية للاستقرار

تُظهر القراءة القانونية لاتفاقية 15 يونيو 1972 أنها ليست وثيقة رمزية، ولا مجرد امتداد شكلي لنصوص سابقة، بل نص تعاقدي اكتملت قوته القانونية بتبادل وثائق التصديق سنة 1989، وأُدرج في السجل الدولي سنة 2002، ليشكل إطاراً قانونياً مستقراً لتنظيم الحدود بين البلدين.

وفي منطق الدولة القانونية، تبقى المعاهدات المكتوبة مرجعاً أعلى من الخطاب العابر، ويظل احترامها معياراً لجدية الالتزام الدولي. فالحدود، حين تُوثَّق في نص نافذ، تنتقل من مجال التأويل إلى مجال الالتزام، ومن فضاء الجدل إلى دائرة القانون، وهو ما يجعل اتفاقية 1972 جزءاً من النظام القانوني المستقر، لا من سجالات الظرف.

يتبع: الحدود بين سيادة الدولة وحقوق الأفراد – قراءة في حماية الملكية والحقوق المكتسبة في القانون الدولي.

⚖️ مكتبة الوثائق المرجعية (اتفاقية 1972)

يمكنكم تحميل الوثائق الرسمية والخرائط الملحقة بملف الحدود بصيغة PDF
اسم الوثيقة الواردة في المقال رابط التحميل
اتفاقية 15 يونيو 1972 (النص الكامل) تحميل PDF 📥
خريطة ترسيم الحدود الملحقة بالاتفاقية تحميل الخريطة 🗺️
مجلد الأمم المتحدة رقم 2189 (المراجع التقنية) فتح السجل 📑
شهادة تسجيل الاتفاقية لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة تحميل الوثيقة 📝

* جميع الوثائق مستخرجة من الأرشيف الرسمي للأمم المتحدة والجريدة الرسمية.

تعليقات